Make your own free website on Tripod.com

site de Saber Habacha

Home
semiotique
roman
rhetorique
critique litteraire
poetique
roman
dialogue
grammaire
semantique arabe
semantique
polysemie
cognition
langue arabe
linguistics
About Me
Favorite Links
Contact Me
My Resume
linguistique
see my articles
semiotique

دلائلية

النحو والمنطق تنافر أم تظافر؟

 

 

صابر الحباشة

   من المعروف أنّ قصّة المناظرة الشهيرة التي أوردها التوحيدي في الليلة الثامنة من "الإمتاع والمؤانسة" والتي جرت بين أبي سعيد السيرافي النحوي ومتى بن يونس المنطقي سنة 326 هـ، قد اتخذت شاهدا على انفراط العقد بين هذين العلمين في سياق الحضارة العربية الإسلامية، ممّا جعل المنطق يبدأ ويظلّ غريبا[1] فقد هيمنت الرؤية النحوية على المجال التداوليّ لهذه الحضارة على حساب المنطق.

   غير أنّ من الدارسين المحدثين من أعاد قراءة هذه المناظرة قراءة تأويلية تفتح الباب أمام تعليل طريف لما تُوُهِّم من تنافر أنطولوجيّ بين النحو والمنطق غذاه اختلاف الأصول المعرفية التي انغرس في تربتها كل منهما. وكأن الرؤية التقليدية السائدة أن لا تعايش طبيعيا بين العلمين، بل لا بد من صراع بين النحاة والمناطقة، ولا مجال لأن يقفا على أرض واحدة، فالتنازع بينهما وجوديّ ثابت.

   تقوم هذه القراءة الجديدة لأبعاد المناظرة المذكورة على فحص الأسس التي انطلقت منها موجبات الافتراق وتعززت نقاط الاختلاف. وتتلخص القراءة الجديدة في طرح تساؤل عميق: "أنحن على يقين من أنّ الموضوعية الصادقة التي بها تُتناول قضية العلاقة بين النحو والمنطق موضوعية لم ترث عند هذا أو ذاك، ودون إرادة، موقفا عقائديا قديما، أو ردّ فعل ضدّ هذا الموقف؟"[2]

   يقوم هذا التساؤل على رغبة إذابة ثلج الرواسب الفكرية التي تحكمت في احتراز العرب من المنطق نظرا إلى اعتبارهم إياه:

-         إماّ دخيلا لا غناء منه ولا حاجة لنا إليه.

-         وإمّا مُستقى من النحو اليونانيّ، ومن ثمّ فإنّ الركون إليه وتحكيمه في النحو العربي يعني "أَغْرَقَة" هذا الأخير وإفقاده مناعته الخاصّة وصلابته المنهجية التي ما انفكّت تتدعم عبر أجيال من النحاة منذ الخليل بن أحمد (ت.160هـ أو 170هـ) إلى آخر الشرّاح في عصور الانحطاط.

فعدم التوافق بين النظامين النحوي العربي والمنطقي اليوناني، كان بمثابة المصادرة العامة التي توارثها الخلف عن السلف، وإن عبّروا عنها بطرق مختلفة بعضها مباشر سجاليّ والبعض الآخر ضمنيّ مُغَلَّف بمسحة موضوعية علمية رقيقة.

   غير أنّ إعادة النظر والتمحيص في المسألة، على النحو الذي يمكن أن نستأنفه – انطلاقا من تساؤل الشريف – قد يؤدّي بنا إلى العزوف بداية عن الآراء الجاهزة، نقدا للمسلمات القبلية التي تقوم على مفاضلات ومقارنات إيديولوجية وعنصرية بين العلوم واللغات. ولا بدّ في هذا السياق من رفض القراءات التي تنقد المنطق الأرسطيّ، لأنّه ظلّ رهين اللغة الإغريقية، فكانت مقولاته هي تقريبا مقولات اللغة الإغريقية. لا لشيء إلا لأنّ مثل هذا الفهم التبسيطيّ يعتبر الانفصال بين المنطق والنحو من المسلّمات البديهية، فمتى تشابك العلمان، عُدَّ ذلك طعنا في المنطق، باعتبار أنّ هذا الأخير يطمح إلى اكتساب البعد الكونيّ والمنزع الكلّي، بخلاف النحو الإغريقي (وكلّ نحو لغة طبيعية، في الواقع!).

   وليس من العيب – إذا قرأنا المسألة من منظار نظريات التعقّد التي جاء بها إدغار موران(Edgar Morin) – أن نقرأ العلاقة بين النحو المنطق وفق تاريخ متراكم من سوء الفهم المتبادل، تقطعه أحيانا رؤى وحدوس خلاّقة لمناطقة- نحاة نأوا عن الانفصال الموهوم وتجلت إبداعاتهم في بناء النحو الكلّي الذي نجد بداياته مع مدرسة بور روايال (port-royal) المنطقية النحوية، والتي عاد إليها اللسانيون المحدثون لتأصيل مشاريع النحو الكلّي، مثل تشمسكي (Chomsky).

   فإذا عدنا إلى سياق المناظرة، تبيّن لنا أنها تتنزل في إطار تزاحم العلوم على اكتساب قصب السبق في المنظومة المعرفية التي اكتملت في القرن الرابع للهجرة. فقد رغب النحاة في الاستيلاء على آلة تحليل الرأسمال الرمزي الذي انبنت عليه الحضارة الإسلامية، ألا وهو النصّ القرآنيّ. ونازعهم المناطقة هذا الدور ففشلوا في مقاسمتهم إياه بعد أن يئسوا من أن يظفروا عليهم، وهنا تأتي المناظرة لتكريس غلبة الرؤية النحوية الحاصلة بعد. لا يجد الباحث صعوبة في تمحّل تبريرات إيديولوجية لهذه الغلبة، غير أنّ النظر التاريخيّ والإبستيمولوجيّ قد يسعفنا بملاحظة خطيرة، تتعلق بولادة النحو مكتملا، وهو ما لم يكن للمنطق حظ شبيه به، ولذلك شرعت الهوة تتسع بينهما وتتعزز بكتب نحوية حاسمة، لم تضارعها – في فترتها – كتب منطقية شوّشت عليها احتلالها صدارة الاهتمام في المنظومة المعرفية الإسلامية. وتزامن ظهور العلوم الأصول: أصول الفقه وأصول النحو وأصول الدين [علم الكلام]، وظلّ المنطق آلة تُستعمل وتُذمّ، ورغم اشتراكه مع النحو في كونهما علمين آلتين فقد ارتقى النحو في سلّم الأولويات وظلّ المنطق حبيس أطر ضيّقة. وأسهم نظام التدريس والمؤسسة التعليمية في إفساح المجال لتغليب النحو وتغييب المنطق أو يكاد. وقريبا من هذا المعنى يقول الشريف: "فالنحو عند المسلم هو الذي يحدد القواعد الأولية المكونة للقول الحامل للحقيقة. ومن الطبيعي في أمّة هذا اعتقادها، ألاّ تترك للصناعة المنطقية التي تدّعي تمثيل العقل أن تكون مجاوزة للنحو"[3]. ومن هنا جاء الدور الأساسيّ الذي أناطه المفكّر المسلم بالنحو فهو النسق الذي "يحدد القواعد الأولية المكونة للقول الحامل للحقيقة."[4]

فلا يمكن أن نفهم أبعاد موقف السيرافي في المناظرة دون التعريج على الرسالة الحضارية التي تحمّلها بوصفه، على حدّ عبارة الشريف، نحويّا مكلّفا "بالدفاع عن الأمّة بالدفاع عن النحو ضدّ المنطق"[5]. وبذلك يكون النحو لا علما وصفيا بل معقلا للهويّة ورمزا للانتماء، ومن هنا نرى أنّ البحث في تطوير النحو وتحديثه قد لا يدور في فلك التأهيل التقني لهذا القطاع كي يواكب الثورة المعرفية الحديثة، بل قد يكون متجها نحو تضمين أهداف فكرية غير منتمية إلى صميم العلم.

   ونودّ الإشارة إلى أنّ بعض الباحثين قد بيّن في معرض حديثه عن مواقف الدارسين من نشأة النحو أنّ بعض المستشرقين يزعم "أنّ النحو العربي استعار من المنطق الأرسططاليسيّ التقسيم الثلاثيّ للكلام والتمييز بين الجنس والآخر ومفاهيم من قبيل الظرف والحال وأفكارا حول الأزمنة والفاعل"[6]. وكما لا يخفى فإنّ الحديث عن التأثر بالمنطق الأرسطيّ في زمن نشأة النحو العربيّ، فيه شيء من المبالغة. ويشير الودرني إلى ما يمكن أن نصف به موقف هذا المستشرق، من وقوع في ضرب من التنافي، إذ أقرّ "في الوقت نفسه بأنّ منطقهم [أي النحاة العرب] مباين تماما لمنطق الفلاسفة"[7]، ويمكن أن نستدلّ برأي ابن تيمية حول تأخر زمن اعتماد النحاة الاصطلاحات والحدود المنطقية، يقول: "إن النحاة لما دخل متأخروهم في الحدود ذكروا للاسم بضعة وعشرين حدا وكلها معترض عليها على أصلهم"[8].

   وثمّة موقف آخر يقع على طرفيْ نقيض من الموقف السابق، ينفي أصحابه فيه "أيّ أثَر إغريقيّ في النحو العربيّ وذلك بالتركيز على عمق الروابط القائمة بين علمي الفقه والنحو في مجالي المنهج والمصطلح دلالةً على نشأتهما نشأة عربية خالصةً، هذا إضافةً إلى ما يوجد من تباين صريح بين المصطلح الذي توخاه سيبويه في كتابه والمصطلح الذي راج عند المترجمين الذين نقلوا عن أرسطو أفكاره النحوية"[9].

   ولعلّ المستشرق الفرنسيّ جيرار تروبو (G.Troupeau) قد جاء برأي وسط فيه ضرب من "الإنصاف" حيث قال "ودون أن ننفي أنّ التأثير الذي كان يفرضه ضرورة المنطق الأرسططاليسي على نحاة بغداد بداية من القرن 4 هـ / 10م، يمكن أن نعتبر أنّ النحو تشكّل بمنأى عن أيّ تأثير أجنبيّ في الوقت نفسه الذي تشكّلت فيه علوم أخرى إسلامية مثل التفسير والفقه، والتي نمت خلال النصف الأول من القرن 2هـ / 8م في مركزين ثقافيين كبيرين بجنوب العراق هما البصرة والكوفة"[10].

   ويرى تمام حسّان "أنّ العرب حتى وإن فكّروا تفكيرا منطقيا في قضايا النحو والاستدلال الفقهيّ، فإنّ ذلك من وحي المنطق الطبيعيّ لا المنطق الصوريّ بالمعنى الأرسطيّ، لأنّ المنطق الطبيعيّ هو نتاج تكوين العقل الإنسانيّ بوجه عامّ"[11].

* النحو والمنطق أو اللفظ والمعنى؟

   " قال أبو سعيد: [...] أسألك عن حرف واحد، وهو دائر في كلام العرب، ومعانيه متميزة عند أهل العقل؛ فاستخرج أنت معانيه من ناحية منطق أرسطاطاليس الذي تدل به وتباهي بتفخيمه، وهو الواو ما أحكامه؟ وكيف مواقعه؟ وهل هو على وجه أو وجوه؟ فبهت متى وقال: هذا نحو، والنحو لم أنظر فيه، لأنه لا حاجة بالمنطقي إليه، وبالنحوي حاجة شديدة إلى المنطق، لأن المنطق يبحث عن المعنى والنحو يبحث عن اللفظ، فإن مر المنطقي باللفظ فبالعرض، وإن عثر النحويّ بالمعنى فبالعرَض والمعنى أشرف من اللفظ، واللفظ أوضع من المعنى."[12]

نلاحظ أنّ جواب متّى قد أبان عن نظرة ثنائية حاسمة، نظرة تفصل المعنى عن اللفظ فصلا، وتجعل أحدهما بمعزل عن الآخر، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فهي تنشئ مفاضلة بين اللفظ والمعنى فتنتصر لهذا الأخير.

   ومعلوم أنّ عبد القاهر الجرجانيّ (ت.476هـ) قد بيّن في مصنّفاته ولا سيما "دلائل الإعجاز" خطأ القول بالفصل بين اللفظ والمعنى ومن ثمة فلا فائدة ترجى من المفاضلة بينهما، باعتبار أنّ لكلّ طرف دورا في القول ولا يمكن أن نجنيَ من عزل أحدهما عن الآخر عزلا أيديولوجيا إلاّ سوء الفهم والانتصار للمذهب الذي نتبناه دون دليل علميّ مقنع. ولعلّ النظر في مقترحات اللسانيات الحديثة في تمثيل الأقوال يوقفنا على عودة الوئام بين المستويين المنطقيّ والتركيبيّ، في تقاسم الأدوار عند تحليل الجمل:

فالمستوى السطحي يشتمل على البنية الصوتية أما المستوى العميق فيتكون من البنية الدلالية. وبذلك لا يمكن تخليص العلامة اللسانية من دالها أو مدلولها فهما متلازمان تلازُم الوجه والقفا.

بل إنّ البحث عن نحو كلّيّ، كما أشرنا إلى ذلك أعلاه، استوجب استنفار النظريتين النحوية والمنطقية لتحقيق هذا الهدف، وقد عززت العلوم الحاسوبية الحديثة ضروب التعاون بين هذه العلوم المترابطة، فضلا عن العلوم المعرفية المجاورة لها كالرياضيات والمعلوماتية وعلم الأعصاب وعلم النفس المعرفيّ... في إطار معالجة اللغة الطبيعية معالجة آلية، بالخصوص.

   بهذا المعنى يمكن الحديث عن خصومة قديمة – ماتت تاريخيا – بين النحو والمنطق، استُعيض عنها بالتعاون العابر للاختصاصات العلمية وهو من أهمّ سمات المعرفة العلمية الحديثة.   

 



[1]  طبعا هذه نظرة "قصووية" لا نتبناها، وإن كان ثمّة من يقول بها خاصّة من يدّعي بأنّ "الأعرابيّ هو صانع العالَم". أمّا بعض الباحثين الآخرين فيرون أنّ حركة "الترجمة التي رعاها المأمون قد شكّلت نقطة تحوّل في سير الثقافة الإسلامية بكل فروعها" انظر تمام حسان الأصول، دراسة إيبستمولوجية لأصول الفكر اللغوي العربيّ، دار الثقافة، المغرب، ط1، 1981، ص56.

[2]  الشريف، محمد صلاح الدين، 2002، الشرط والإنشاء النحويّ للكون: بحث في الأسس البسيطة المولّدة للأبنية والدلالات، جامعة منوبة، كلية الآداب، سلسلة اللسانيات، مج16، تونس، ج2، ص1188.

[3]  الشريف، محمد صلاح الدين، 2002، الشرط والإنشاء النحوي للكون، ج2، ص1188. التشديد من عندنا.

[4]  المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

[5]  المرجع نفسه، ص1189.

[6]  نقلا عن الودرني، أحمد، 2004، قضية اللفظ والمعنى ونظرية الشعر عند العرب، من الأصول إلى القرن7هـ / 13م، بيروت، دار الغرب الإسلاميّ، ط1، ج1، ص121. والملاحظ أنّ هذا الرأي كتبه صاحب مدخل "نحو" في دائرة المعارف الإسلامية، الطبعة الفرنسية، ص914.

[7]  نفسه.

[8]  ابن تيمية، الرد على المنطقيين، دار المعرفة، بيروت، ص8. (التشديد لنا)

[9]  نفسه.

[10]  نفسه.

[11]  نفسه، نقلا عن تمام حسان، الأصول، دراسة إيبستمولوجية لأصول الفكر اللغوي العربيّ، دار الثقافة، المغرب، ط1، 1981، ص53-54.

[12]  أبو حيان التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة، تصحيح وضبط أحمد أمين وأحمد الزين، بيروت، المكتبة المعصرية، 1953، الليلة الثامنة.

Enter supporting content here

هذا موقع صابر الحباشة