Make your own free website on Tripod.com

site de Saber Habacha

semantique
Home
semiotique
roman
rhetorique
critique litteraire
poetique
roman
dialogue
grammaire
semantique arabe
semantique
polysemie
cognition
langue arabe
linguistics
About Me
Favorite Links
Contact Me
My Resume
linguistique
see my articles

ترجمة صابر الحباشة لمقدمة تشومسكي لكتاب جون ييف بولوك "اللغة والعرفان" 

تمهيد تشومسكي لكتاب"اللغة والعرفان"

لجون ييف بولوك

                                         نعّوم تشومسكي          

 

   تعدّ دراسة اللغة من بين مجالات التحليل النظامي الأكثر قدما. وقد تراكمت فيها مجموعة ثرية من النتائج ذات أهمية كبرى خلال تاريخ يعود إلى الهند وإلى اليونان القديمة. وإذا نظرنا إليها من زاوية نظر أخرى بدت لنا فرعا علميا ناشئا. ومجموع الأبحاث التي يقدّمها جون ييف بولوك(*)لم يتشكّل إلا منذ أربعين سنة، في فترة أُحييت فيها بعض الأفكار المفيدة وأعيد اكتشافها من التقليد اللساني، فتحا لمسلك في البحث ظهر شديد الخصوبة.

  فليس عجيبا أن تثير اللغة تلك الدهشة طوال هذه المدة الطويلة. ويبدو أن اللغة - في الواقع- تمثل حقّا "خاصية الجنس( البشري)" المشتركة أساسا بين الناس، وكائنات أخرى إن كنا لا نعلم، دون أن يكون ثمّة مماثل دالّ لدى تلك الكائنات. ولا يوجد اليوم سبب جدّيّ لوضع الفكرة الديكارتية - القائلة بأنّ القدرة على استعمال العلامات اللسانية للتعبير من الأفكار المتمثلة بشكل حرّ، تشكّل  " التفريق الحقيقي بين الإنسان والدابّة"- موضع شكّ.

  وعلى مستوى أعم، فإنّ الخصائص الأساسية للغة- ما أمكننا الحكم عليها- هي خصائص استثنائية في العالم البيولوجي، بما فيها الخصيصة الأكثر جوهرية فيما بينها، ونعني كونها لا متناهيا لا تناهيا خفيا. هذه الخاصية المتفردة قد أدهشت غاليلي الذي كان يعتبر أنّ اكتشاف وسيلة توصل لكلّ شخص "أفكارنا الأكثر سرية...(بواسطة) ...أربعة وعشرين حرفا" هو أكبر اختراع عرفته البشرية، مما جعل نجاح سائر الاختراعات يعتمد على اللامتناهي الخفي للسان الذي تسجله تلك الحروف. بعد ذلك ببضع سنوات، اندهش نحاة بور روايال بـ"هذا الاختراع المذهل المتمثل في تركيب ما لا نهاية له من الكلمات انطلاقا من خمسة وعشرين أو من ثلاثين صوتا"، وتلك الكلمات المركبة تسمح لنا بأن نبوح للآخرين- الذين لم يطلعوا على عقولنا مع ذلك- بـ"كلّ ما نتصوره وبمختلف حركات أرواحنا". ومن جهة نظر معاصرة، فإننا لا نتحدث عن "اختراع"، ولكن الأمر يصبح "عجيبا" وقابلا للملاحظة بوصفه نتاجا تطور بيولوجي لا نعرف عنه في الظروف الحالية إلا الشيء القليل.

  إن الملكة اللغوية يمكن أن تعتبر عقليا "عضوا ذهنيا" بالمعنى المجرد الذي نتحدث فيه عن نظام قناعة جهاز الدورة الدموية أو عن النظام البصري بوصفهما أعضاء في الجسم.

   عمليا، هذا النظام الفرعي للفكر/ هو جزء لا يتجزأ –بشكل حقيقي- من أي مظهر للحياة وللفكر ولتفاعلات الإنسان وينبغي أن يكون لهذا النظام الفرعي نصيب وافر من النجاح البيولوجي الباهر للجنس البشري. إنّ عالمنا قد يقدم من كوكب المريخ ويلاحظ عقليا الظواهر المثيرة للفضول والتي تكون الأرض مسرحا لها، لا يسعه إلا أن يصدم بأهمية ظهور هذا الشكل الوحيد للتنظيم العقلي ودوره. فلا غرابة أن يثير هذا الموضوع ذو الألغاز الكثيرة فضول أولئك الذين يحاولون فهم طبيعتهم الخاصة والمنزلة التي يحتلونها في العالم.

  لقد حاول النحو التوليديّ المعاصر على الأقل ملامسة بعض المواضيع التي تشغل التقليد اللساني.

لقد تشكل في سياق ما يسمى أحيانا "الثورة العرفانية" للسنوات الخمسين (من القرن العشرين) وأسهم بشكل حاسم في تطويرها. وسواء أكان اللفظ " الثورة " مشروعا أولا، فقد جد تغير كبير في الرؤى: فقد مررنا من دراسة السلوك وآثاره إلى دراسة الآليات الداخلية للفكر وعن الطريقة التي تستعمل بها تلك الآليات في العمل والتأويل، إنّها مقاربة "ذهنية" لا جدال فيها: موضوعها هو "المظهر الذهني" للواقعة الذي يوجد جنبا إلى جنب مع مظاهرها الفيزيائية، الكيميائية، البصرية، إلخ. إنّها تنزع إلى دراسة كائن واقعي في العالم الطبيعي الدماغ، أحواله ووظائفه-، ومن ثمة فهي تعمل على دمج دراسة علم النفس ضمن التطبيقات البيولوجية، إلى حد معين.

   من زاوية النظر هذه، فإنّ نحو لسان هو نظرية حالة الدماغ، في ظرف وجود حالة ملكة لغوية للدماغ، كما تنتج عن مسار اكتساب اللسان. أمّا ما نسمّيه أحيانا "نحوا كلّيا"- نستعمل في ذلك اصطلاحا تقليديا في إطار مفهومي جديد- فهي نظرية لحالة بداية الملكة اللغوية قبل أن تصطبغ بتجربة من التجارب الخارجية. إنّ دراسة أحوال الدماغ المختلفة هذه، تنتمي عن جدارة إلى علوم الطبيعة وينبغي لها مبدئيا أن تدمج فيها ظواهر من مصادر شتى. إنّ الحالات والتمثلات والمبادئ  والشروط المصادر عليها تصف خصائص الدماغ بتجريد الآليات الدماغية التي تنجزها، وهي غير معروفة إلى اليوم، كما يتم ذلك (الوصف) غالبا في علوم الطبيعة. وكما في العلوم عموما، فان المقاربة المتبناة والافتراضات التي توجهها تعد مشروعة، متى سمحت بتوصيفات مناسبة وبتفسيرات خلاقة وبتعريفنا ببرامج أبحاث خصبة (مثمرة).

  لنفرض أنّ ملَكة زيد اللغوية هي في حالة ل. فإنّه يمكننا القول إنّ ل هي لسان مُدَخْلَنٌ (أو لسان- ل) "يولد" ما لا نهاية له من التعابير، يكون كلّ واحد مركبا من الخصائص. وهذه التعابير توفر "تعليمات" لنظام إنجاز زيد، فزيد يتصرف – مجهّزا بلسانه الداخليّ وبنظام إنجازه التابع له – في مجموعة واسعة من المعارف حول أشكال التعابير ومعانيها كما يتصرف في قدرة كبيرة على تفسير ما يسمعه وفي التعبير عن فكره وفي استعمال لسانه ل في أغراض متباينة.

  لقد استعادت "الثورة العرفانية" وأعادت تشكيل عدد من الحدوس والنتائج والتساؤلات التي ترجع إلى ما يمكن تسميته"الثورة العرفانية الأولى"للقرنين السابع عشر والثامن عشر التي تعد جزءا لا يتجزأ من الثورة العلمية التي قبلت رأسا على عقب وبشكل جذري فهمنا للعالم. منذ ذلك العهد فهمنا أن اللغة تقتضي "الاستعمال اللامتناهي لمجموعة متناهية من الوسائل"، إذا استعرنا قالبا تعبيريا استعمله همبولدت(1). والحال أنّ هذا الحدس اللافت لا يمكن أن تكون له إلا آثار محدودة، ما دامت الأفكار التي يمكن أن تجسده غامضة وضبابية. ولكن تقدم العلوم الصورية في منتصف القرن العشرين وفر بشكل شديد الدقة المفاهيم الضرورية، مما جعل محاولة مبادئ تحديد الحاسوبية(2) التي تولد تعابير لسان ما تحديدا صارما، أمرا ممكنا للمرة الأولى. إنّ النحو التوليديّ قد استفاد أيضا من ظروف أخرى مواتية لمباشرة تلك المسائل التقليدية بخطوط أوفر للنجاح. وقد شهدت دراسة التحولات اللسانية نجاحات كثيرة. وقد مكّنت الأنتروبولوجيا اللسانية من فهم أعمق بكثير لعدد كبير من الألسنة، فهم يتهم القوالب الجاهزة. وقد تقدمت بعض المجالات تقدما ملحوظا في اللسانيات البنيوية من القرن العشرين، وبالخصوص مجال دراسة الأنظمة الصوتية.

  وسرعان ما بيّنت المحاولات الأولى لتحسين برامج أبحاث النحو التوليديّ أنّ الخصائص الأساسية –حتى في الألسنة الأكثر حظا في الدراسة- كانت تمر مر الكرام. لقد أصبح ظاهرا للعيان أنّ الأنحاء والمعاجم التقليدية الأشد اكتمالا، لا تلامس إلا سطح الأشياء، وتلك الأنحاء والمعاجم تعطي معلومات لا يستفيد منها إلا قارئ متمكّن من جميع ثروات الملكة اللغوية، وهي تفترض أن خصائص العضو اللغوي ومبادئه- التي هي غير محدّدة ولا هي مصوغة- معروفة. إنّ هذا أمر جائز تماما إذا استهدفنا تسهيل تعلم لغة ثانية وإعطاء معلومات عن معاني كلمات جديدة وكيفية نطقها أو إذا استهدفنا تكوين نظرة شاملة للخصائص التي تميّز لسانا عن آخر. ولكن إذا قصدنا فهم طبيعة الملكة اللغوية والأحوال التي يمكن أن تتخذها ( الألسنة-ل)، فانه يصبح من المستحيل الاستنجاد هكذا بـ"الذكاء العامّ للقارئ" بل إنّ هذا الأخير، هو الذي ينبغي أن يشكّل موضوع الدراسة التي نقوم بها.

  ومثلما خضعت مجموعة أوسع من ذلك من الألسنة لبحث يتبنّى صاحبه وجهة نظر واحدة، فقد أصبح واضحا أن تنوّع أنواع الألسنة، فقد كان أمرا مهمّشا بشكل جذريّ تماما كتهميش دقة تنظيم الألسنة وتعقيده. ونتبين في الوقت ذاته أن ذلك التنوع وذاك التعقد، إنما ينجمان عن ظواهر سطحية. فالملاحظ القادم من كوكب المريخ ينبغي أن يستنتج عقليّا أنّ الألسنة متطابقة في جوهرها، وإن هي إلاّ تنويعات لموضوع واحد. وهذه الملاحظة ترتكز على حدس آخر للثورة العرفانية الأولى. إنّ الظواهر التي يمكن للطفل قبولها، تحدّد بشكل جذريّ، اللسان الذي يصل إلى معرفته معرفة دقيقة دقة فائقة. ولو لم تحدد خصائص اكتساب اللسان الأساسية مسبقا في الحالة الأولى للملكة اللغوية، لكان اكتساب اللسان من قبيل المعجزات. وهكذا يعود إلى مظهر من مظاهر الإرث الجيني الذي نتقاسمه جميعا. غير أن الأطفال لم يبرمجوا لتعلم اليابانية أكثر من السواحلية (3) فالألسنة التي يمكن أن يكتسبها البشر، يجب أن تخضع إذن لخصائص أساسية مشتركة.

  هكذا ينكشف المشكل المركزي في اللسانيات بحدة: يجب البرهنة في الوقت ذاته أن الألسنة كلها تصب في قالب واحد، ويجب وصف ركل خصائص الصوت والمعنى المعقدة التي تتغير سطحيا من لسان إلى آخر، وهو ما نكتشفه ما إن نتابع جديا عملا وصفيا صارما. وهذا الإلزام الثاني يصدر عن شرط الملاءمة لخصائص ذلك اللسان. والنظرية العامة للغة تستجيب لشرط الملاءمة التفسيرية، فهي تعطينا حلاّ لما يسمّى أحيانا " المشكل المنطقي الاكتساب" وذلك ببيان كيف أنه يمكن حل هذا المشكل وفق مبدئها( أي النظرية اللغوية)، ممّا يوفّر لنا- عودا على بدء- إطارا مفهوميا لدراسة التعلم دراسة ملموسة.

  ويوجد ضغط متبادل بين مهمتي البحث هاتين يبدو أن متابعة الملاءمة الوصفية، تقود إلى مجموعة من أنظمة القواعد، وهي مجموعة أشد تنوعا وتعقيدا، دائما، والحال أنّ البحث عن الملاءمة يوقفنا على أنّ بنية الألسنة بنية ثابتة، لا تتغير إلا بفعل الزمن. إنّ ذلك الضغط هو الذي حدّد بشكل واسع التعديلات التي شهدها برنامج البحث في النحو التوليدي وحدّد خطوط ذلك البرنامج الكبرى. وتوجد طريقة طبيعية لتجاوز المأزق تتمثل في وضع فكرة تقليدية- كانت تتبنى في الأعمال الأولى النحو التوليدي دون نقاش- موضع التساؤل هذه الفكرة تقول بأن اللسان هو نظام من القواعد، كلّ قاعدة منها تختصّ ببعض الألسنة وببعض التراكيب. وحسب هذه الفكرة تقول بأن اللسان هو نظام القواعد، كل قاعدة منها تختص ببعض الألسنة وببعض التراكيب. وحسب هذه الفكرة، يوجد قواعد لإنشاء الجمل الموصولية في الإنكليزية والمركّبات الفعلية في اللغة المَجَرية والجمل المبنية أفعالها للمجهول في اللغة اليابانية، إلخ. إنّ ضرورة الاستجابة لشرط الملاءمة التفسيرية تدعونا إلى أن نقضي، بأن ذلك لا يمكن أن يكون صحيحا. فلقد حظي أن يظهر كل ما لا يمكن أن تتزود به الملكة اللغوية ذاتها، على أمل أن يظهر كل ما لا يمكن أن تتزود به الملكة اللغوية، أقل تعقيدا وتنوّعا- ( حظي إذن هذا البحث) بنصيب وافر من الجهد النظري.

  وقد تبلورت هذه المحاولات في الثمانينات في إشكالية مثلث قطيعة مع التقليد النحوي أكثر جذرية من الأعمال الأولى في النحو التوليدي. لقد اطرح إطار " المبادئ والمعايير" بشكل كلّي مفهوم القاعدة والتركيب النحوي: فليس صحيحا أنه توجد قواعد لإنشاء الجمل الموصولية في الإنكليزية والمركّبات الفعلية في اللغة المَجَرية أو الجمل المبنية أفعالها للمجهول في اليابانية. وإنّ التراكيب النحوية التي ألفناها إن هي إلاّ اختلافات تصنيفية يمكن أن تكون لها فائدة وصفية، ولكن ليست لها حقيقة نظرية. أمّا القواعد فهي نتاج مبادئ تنطبق على اللغة في ذاتها وتتفاعل لإنتاج خصائص التعابير اللسانية. وتتمثل الفكرة المركزية في أنّ الملكة اللغوية يمكن أن تشبه بشبكة كهربائية ثابتة تتصل بعلبة مبدّلات(4). فالشبكة توافق المبادئ الثابتة للغة، أمّا المبدّلات فتوافق الاختيارات المعيارية التي تفترضها التجربة. ففي وضع معيّن للمبدّلات، نتحصّل على اللغة المَجَرية، وفي وضع آخر تعطينا اليابانية. وكلّ لسان-ل من الألسنة الممكنة توافقه مجموعة خاصة من أوضاع المبدلات. فمن الممكن إذنْ استنتاج خصائص لسان ما انطلاقا من اختيار خاصّ للقيم بالنسبة إلى تلك المعايير. وتبين الخصائص الأساسية لاكتساب اللغة أكثر من ذلك أن اختيار موضع لمبدل ما، يجب أن يتم على أساس الظواهر المحدودة جدا والتي يمكن للطفل أن يتحصل عليها.

  إنّ هذا الذي أتينا على وصفه، ههنا، طبعا لا يعدو أن يكون إلا برنامجا، وهو يعيد عن أن يشكل نتيجة نهائية. إنّ الاستنتاجات التي توصلنا إليها تخمينيا، لا يتوقع أن تحافظ على شكلها الحالي. ومن نافل القول أن نطلب اليقين من هذه المقاربة رغم صحتها الجوهرية. ورغم ذلك، فقد مثلت هذه المقاربة بما هي برنامج أبحاث نجاحا كبيرا جدا وقادت إلى بحث اختباري خصيب يهتم بحشد هام من الألسنة شديدة التنوع أصنافيا، وقد مكنت هذه المقاربة من صياغة أسئلة جديدة ومن اقتراح أجوبة كثيرة ومثيرة. كما عرفت المشاكل المتصلة باكتساب اللغة وبمعالجته والظواهر المرضية التي تصيبه، عرفت منعطفا جديدا كان مثمرا جدّا بالتوازي.

  وتتمثل المهمة الأساسية في برنامج الأبحاث هذا، في تحيين خصائص المبادئ والمعايير ووصفها، وفي كيفية تفاعلها، وفي تعميم هذه المقاربة على مظاهر لغوية أخرى وعلى استعمال اللغة. ورغم أن كثيرا من الأمور تبقى غامضة أو غريبة، فانّ ثمة قدرا من التقدم قد تحقق كي تطرح أسئلة جديدة وكي يكون لها حظ من الإجابة عليها. أحد هذه الأسئلة يتعلق بمردودية التنظيم اللغوي. إنّ الملكة اللغوية مضمّنة في هندسة الفكر/ الدماغ العامة. إنها تدخل في علاقة مع أنظمة عر فانية أخرى، تفرض عليها أن تستجيب لشروطها وإلا، فإنّ الملكة لا يمكن استعمالها. ويمكن أن ندرك هذه الشروط بوصفها قيودا " قرائية" بمعنى أن الأنظمة التي تستعمل التعليمات التي يولدها اللسان-ل، يجب عليها أن تؤول تلك التعليمات. إن الأجهزة الحسية- الحركية مثلا لها خصوصياتها المتميزة التي تفرض على المسار التوليدي للملكة اللغوية قيودا قرائية معينة.وبالمثل، فإن النظام المفهوميّ يتفاعل كغيره مع الملكة اللغوية ويستعمل أرصدتها. ويمكننا بالاستتباع أن نسأل إلى أي مدى تعد الملكة اللغوية حلا، "جيدا" للشروط القرائية التي تفرضها عليها الأنظمة التي تتفاعل معها. إلى وقت قريب، لم يكن ممكنا طرح هذا السؤال بشكل جدي. ويبدو أنّ ذلك أصبح ممكنا اليوم، والمحاولات المقامة قصد الحصول على إجابات قد تمخضت عنها نتائج مهمة.بهذه المعنى يمكن القول إن الملكة اللغوية قد أضحت "كاملة" تقريبا. فان صح ذلك، فانه يعد نتيجة مذهلة للغاية.

  إنّ ما نسمّيه اليوم [1997 ] "البرنامج الأدنى" le programme minimaliste)) هو محاولة للكشف عن تلك المسائل. ويتمثل هدفه في بيان أن القطائع مع هندسة مثلى للغة هي قطائع اصطناعية تطبق بشكل منظم تكنولوجيات تخفي نقصا حقيقيا في الفهم. وإضافة إلى ذلك، فهو برنامج يفهم منه بيان أن مقاربة أشدّ صرامة وأكثر تشددا( منه)، يمكن أن تفرز اختباريا نتائج متماثلة لنتائج البرنامج الأدنى أو أفضل منها ودون أن تكون ثمة حاجة إلى العودة إليها( أي إلى نتائج البرنامج الأدنى). وتدرس تلك الحدوس الموجهة في اتجاهات البحث الجاري المتنوعة. وانّه من السابق لأوانه أن نحكم حكما ذا قدر من المصداقية على صحة الاتجاهات المتخذة أو حتى على مشروعية المقاربة ذاتها.أما في ما يخصّني أنا [ تشومسكي]، فأنا أميل إلى الاعتقاد بأنّ تلك المسائل يمكن أن توضع موضع درس الآن وأن نتائج البحث الأولى تبدو مشجعة.

إنّ جون ييف بولوك هو وجه من الوجوه التي وسمت البحث الذي رسم خطوطه كبرى في دقة وصفاء. وهو بحث يتمثل في هذا التحليل الدال للتطور النحو التوليدي الحديث وللمشاكل التي حاول ذلك النحو دراستها وأصناف الإجابة التي أفرزها. لقد قاد القارئ يدا بيد من الأسس المفهومية إلى حدود البحث المعاصر الذي تم بلوغه، بل ذهب أكثر من ذلك بأن بثّ مؤشرات بحث شخصي غير مسبوق على قدر كبير من الجاذبية. طموحة هي أهداف هذا الكتاب، ويبدو لي أنّه قد تمّ بلوغها بكثير من التوفيق: إن هذا الكتاب يمكن للقارئ النبيه من فهم واضح للفكر الذي يؤسس قسما هاما من البحث المعاصر المهتم باللغة، وبمبادئها القارة وبتنوع أشكالها الممكن وبالطريقة التي تكتسب بها اللغة وتستعمل وبالمكانة التي تحتلّها في العالم الطبيعيّ.

 

 

*المصدر:

Jean-Yves Pollock: Langage et cognition: Introduction au programme minimaliste de la grammaire générative, Préface de Noam Chomsky, Paris, Presses Universitaires de France, (coll.psychologie et sciences de la pensée: collection dirigée par Olivier Houdé) 2èmeédition:1998(1ère édition:1997) ,241 p.

 

 

*هوامش المترجم:

(*) يقع التمهيد الذي كتبه تشومسكي للكتاب المذكور أعلاه بين الصفحتين XIXو XIII

 وهو الذي نترجمه في هذا العمل. وما يرد بين قوسين، عادة، هو من إضافات المترجم توضيحا وشرحا.

(1)              همبولدت(Wilhelm Humboldt ): لسانيّ ورجل سياسة ألماني(1767-1835). بحث، انطلاقا من دراسته لألسنة شديدة التنوع، عن تجاوز النحو المقارن لتأسيس أنتروبولوجيا عامة، تفحص الصلات بين اللغة والفكر وبين الألسنة و الثقافات. ويرى همبولدت أنّ اللسان هو انعكاس فكر كلّ شعب، وروح الشعب تتجلّى عبر اللسان، ويؤكد أنّ اللغة هي خاصّية الفكر البشريّ. نشر سنة1836 كتابه:"حول اختلاف بنية الألسنة البشرية". 

(2)              أي استعمال الحاسوب(computer) في العمليات اللسانية.

(3)               السواحلية(Swahili): لسان من ألسنة البانطو(Bantou) يُتكلَّم به في شرق إفريقيا، وهي اللغة الرسمية في كينيا وتنزانيا.

(4)              مبدّل=commutateur

 

 

 

 

Enter supporting content here

هذا موقع صابر الحباشة