Make your own free website on Tripod.com

site de Saber Habacha

Home
semiotique
roman
rhetorique
critique litteraire
poetique
roman
dialogue
grammaire
semantique arabe
semantique
polysemie
cognition
langue arabe
linguistics
About Me
Favorite Links
Contact Me
My Resume
linguistique
see my articles
critique litteraire

نقد الشعر
صابر الحباشة

 

كيف تقرأ الشعر الحديث ؟

إعلان حالة الطوارئ ليوسف رزوقة نموذجا

                  * صابر الحباشة  

     لقد اقتبست صياغة عنوان المقال من سلسلة من الكتب كانت رائجة في بعض العقود الفارطة، و هي تقوم على نصح القارئ و توجيهه إلى معالجة منهجية للمسألة المطروحة، غير أنني لم أستعمل تلك الصياغة إلا لأقوال ضد الذي تؤديه. فأنا أدعي أن وصفة القراءة المثالية لا يملكها أحد، و من ثمة، فأنا أدعو إلى رفع الوصاية عن القراء، فقد بلغ – المهتمون منهم- النضج الكافي لاستحصال الدلالة و الخوض في معترك التأويلات.

     غير أن الناظر في مجموعة " إعلان حالة الطوارئ " ليوسف رزوقة (ط-1،2002) يقف بيسر على اشتغال فني رفيع مناطه توظيف الفنون المختلفة لتصب في القالب الشعري وتجويد العدول اللغوي عبر آليات الإحداث المعجمي و توليد الألفاظ أعلاما و أسماء مشتركة بشكل ينم عن حث الشاعر المسير نحو كون شعري مميز و طرافة تستحق التنويه.

     و لا غرو فقد عد رزوقة منذ عقدين تقريبا أحد رواد المنزع التجريبي اللغوي في الكتابة الشعرية. و الحق أن العكوف على اللغة تعديلا و عدولا و تصحيفا (و الشاعرصاحبنا- صحفي !) يفهم منه إما كون القائم بذلك قد اختار هذا الطريق إلهاما و توفيقا ربانيا، و لم تقده إليه ضغوط و لم تحشره فيه دواع غير فنية، بل هو مقتضى سار في دربه الشاعر طائعا ومختارا. كما قد يفهم من اختيار سلوك التجريب اللغوي مسلكا في قرض الشعر، أنه إجراء اضطراري قيد إليه الشاعر مكرها لكي يحجب ما يواريه النص من نقد خفي وهو بذلك ضرب من التقية وجنس من المداورة حتى يسرح الشاعر طاقاته فيصرفها بجهد مضاعف عساها تبلغ ما أناطه بها من "رسالة" فنية في الظاهر، فكرية في الباطن : قوامها البحث عن اختراقات تشف منها ألاعيب الحداثة و تفضح آليات الإقصاء التي تمارسها تحت غطاء قيم إنسانية مزدوجة المكاييل.

     و من ثمة، لا أعتقد أن شعرا كهذا يلتقي حول فهمه من تثقف بالكلمات المفاتيح العصرية " الأخ الأكبر " / " الهاتف الخلوي" / " الليزر" / " الواب"/ " الكوكا كولا"/ "الإيشلون"/ " الشبكات العنكبوتية " …

     إن هذا المعجم الطافح به الديوان، يلقي بنا في أتون العصر و يقشر غربتنا من براثن الاسترسال في السهو : لقد غزي الشعر، و أتينا من قبله ! 

1* شعرية المفارقة

     ولوع يوسف الشاعر بالاستعارات ذات المرجعية الثقافية التقليدية ثابت (يبرز ذلك جليا في إيحاء عنوان مجموعته " الذئب في العبارة " على قصة يوسف عليه السلام في القرآن، فكأن رزوقة يصنع دلالة نبوة ضمنية) و لعل الاحتفاء بالاستعارة بما هي روح الشعر، لا يقل عنه تركيب صيغ تقوم على الجمع بين المتناقضات، مما يكسر قاعدة مبدئية في المنطق تقول بعدم التناقض، و أنى للشعر أن يلتزم بمبادئ المنطق، و الحال أنه يفند المنطق الصوري، بل لا يأتي المنطق الطبيعي إلا ليغير فيه سمات و يحدث فيه شروخا.

يقول صفحة 81 : روح مدمجة

     هي / السماء

     تمارس اليوغا

     و تجلس مثل بوذا بين تمثالين عملاقين

     وهو / وحيد هذا القرن، مصاص الدماء

     دع الفياغرا

     و ابتلعني الآن

     روحا أدمجت في نقطة هي كل هذا الكون

يتعايش في هذا النص خليط من الرؤى و المنظومات :

  • الرؤية العلمية : تبرز عبر معجم يعود إلى الدواء (الفياغرا) مع إحالة على البعد الغريزي من خلال اسم الدواء الذي ظهر منذ سنوات قليلة لتقوية النشاط الجنسي، فاسم الدواء ذو إيحاء بالشهوة و الرغبة.
  • الرؤية الأسطورية : تظهر عبر عبارة " مصاص الدماء" و ربما أحالت على بعض أفلام الخيال العلمي من السينما الأمريكية، وهي ترمز إلى سيطرة القوة و العنف و فقدان إنسانية الإنسان.
  • الرؤية الدينية : تبرز من خلال عبارة " السماء" و اسمي " بوذا" و " اليوغا" فضلا عن "تمثالين عملاقين " مما يذكرنا بأحداث وقعت أواخر الألفية الماضية : تفجير طالبان تمثالين ضخمين لبوذا في أفغانستان، رغم مساعي اليونوسكو و…لإثناء الجماعة عن عزمهم (ولعل تفجير التمثالين تدريب على تفجير برجي منهاتن في نيويورك في 11 سبتمبر 2001) وتظهر الرؤية الدينية عبر عبارة " روح" غير أن الصفة التي أسندت إلى هذه اللفظة قد أفقدتها مدلولها و شيأتها " روحا أدمجت في نقطة هي كل هذا الكون " رغم ما يمكن أن تحمل عليه من دلالة صوفية قائمة على الحلول (و تسند هذا التأويل عبارة " نقطة") إلا أن عبارة "أدمجت" و قد أخذت من مفردات الإدارة تفرغ الروح من محتواها و كأن عصر الروح قد ولى و لم يعد ثمة إلا المادة، فقد استقالت الروح و عرجت إلى السماء تاركة الأجساد تتخبط في شهواتها المستعرة و رغباتها الموقدة.

و تتحول المفارقة من شذوذ إلى قاعدة إذ يقيم الشاعر تسوية بين الكون و النقطة مخترقا بذلك قاعدة هندسية بسيطة تعتبر أن النقطة هي أصغر جسم، فإذا بها تسع الكون : و لعل الدلالة الضمنية التي يمكن الخروج بها من هذا التعبير هي فقدان المعايير الواضحة- في هذا العالم- للتمييز بين الأحجام أو للتفريق بين الحداثة و القدامة، النص ملغم بالتناقضات الصارخة بين ادعاء الحضارة (الدفاع عن تماثيل بوذا) و ممارسة الهمجية (مصاص الدماء). إنها صيغة احتجاجية بامتياز، أن يوقف الشاعر نصه على ساق المفارقة، بل لقد جعلها نسقا تنتظم فيه كثير من النصوص. 

     2- الإحداث الشعري

     يرى الأسلوبيون أن فن الشعر هو الأجدر باعتماد صياغات مبتكرة، فالكلمات التي يوجدها الشعر و يمعجمها (lexicaliser) هي الكلمات الشعرية حقا، إذ لا يكتفي بأن يدير عجلة اللغة، بل يضيف إليها حلقة من عنده.

     أما أسماء الأعلام، فهي تنتمي إلى المعجم الخاص، و من ثمة فإن إنشاء أسماء أعلام جديدة يثري المعجم الخاص. و لكن يطرح ههنا سؤال : هل يوجد الشاعر أسماء جديدة لموجودات جديدة أم إنه يقترح أسماء جديدة لموجودات قديمة أم إنه يقترح أسماء جديدة لا تقابلها موجودات أصلا ؟

     إذا كان الخيار الأول هو الصحيح، يكون الشاعر قد افتك المشعل من اللسانيين و أرباب اختصاص المعجمية و أهل المجامع اللغوية، و إن فعل فلعله لا يناصبهم العداء بل يبشرهم بضعف عملهم و بعدهم عن الشمس و ركونهم إلى رطوبة المكاتب المكيفة و لغات العالم تزحف زحفا ‍!

أما إذا كان الاحتمال الثاني هو الصحيح، فإن عمل الشاعر يتمحض إلى لعب و فيه تظهر طاقة الإبداع على السخرية من الأمور الجادة و تحويل المشاهد غير المتشابهة إلى قوالب متناظرة :

     تثغو الحروف :

     كأن نقول على سبيل الاستعارة : أرلكان !

     كأن نقول على سبيل الانتفاضة : حنظلان !

     كأن نقول على سبيل العنهجية : نسروان !

     كأن نقول على سبيل الاستعادة : كنعدار ‍!

     (…) صفحة 82

     إن الآلية الاشتقاقية النحتية تشتغل في لعب لا للقضاء على الميتافيزيقا، بل لطرد أوهام الذات و الهوية، فيبصر الناس ببصائرهم لا بمشاعرهم، فلا ينفعلون بل يفعلون.

     أما إذا كان الخيار الثالث هو الصحيح، فللمسألة بعد آخر. 

Enter supporting content here

هذا موقع صابر الحباشة