Make your own free website on Tripod.com

site de Saber Habacha

Home
semiotique
roman
rhetorique
critique litteraire
poetique
roman
dialogue
grammaire
semantique arabe
semantique
polysemie
cognition
langue arabe
linguistics
About Me
Favorite Links
Contact Me
My Resume
linguistique
see my articles
roman

نقد الرواية

الروايـة الجديـدة : إضاءات نقديـة

صابر الحباشة

 

   لا تشكّل "الرواية الجديدة" حركة أدبية متجانسة  تتغيّا هدفا محدّدا بطريقة مضبوطة. لذلك اختلف توجّه ناتالي سارّوت عن ميشال بوتور مثلما اختلف عن كلود سيمون ومارغريت دورا وألان روب غرييه، فكل واحد من هؤلاء اتبع مسلكا خاصا به...

   ولعلّ أهمّ ما يسم الروائيّ الثوريّ ليس سوى طموحه وقدرته التخييلية واقتداره على التأليف وهي الحدود التي يفرضها على أثره أي المرفوضات والمقبولات من الأفكار والرؤى والمواقف التي يُقابل بها الواقع المحيط به. وقد كان المبدع، قديما، إلاهَ شخصياته ينظّم حياتها على هواه ويحرمها من الحرية ويسلّط نفوذه المطلق على فكرها وعلى أعمالها، حتى لكأنه مازوشيّ. أما الآن أي في نطاق التصوّر العام المشترك تقريبا بين روائيي تيار "الرواية الجديدة"، فقد أصبح الواحد منهم لا يعلم شيئا ويرتاب من كل شيء، فلم تعد الرواية رسما للعالم بل تمرينا للتصفية والتنقية من التفاصيل والزوائد، وهي ترفض أن تكون أثرا فنيا خالصا مُهمِلة جمال الشكل الباطني، إذ لا تهتمّ بالجمال الشكليّ، ولا تسترضي الذوق بل تعدل عن ذلك الثابت الروائي ألا وهو رغبة التملص إذ يمكن القول إنها بهذا المعنى تزهد في الحكائيّ إذا اشتمل ذلك الحكائيّ على عرض مشهديّ لتجربة معيشة أو يمكن أن تعاش... المغامرة ، العجيب، الغريب، كلّها مفقودة في الرواية المعاصرة... بل هي تزهد في اللذة الجمالية وتعدل عن الاستجابة لرغبة التملص، فهي ترفض ضمنيا التسلية.

  باختصار لقد دخل الروائي فيما تسميه ناتالي ساروت "عصر الريبة" مستشهدة بأمثال جويس وبروست وكافكا. ممّا يؤكّد أنّ الرواية ينبغي أن تتوقف عن أن تكون وصفا لكائنات، لتتحول سؤالا عن الكون. ومن هنا يتأتى الازدراء الذي يظهره الروائي "للشخصية" التي توقفت هكذا عن أن تكون المركز الحيّ الذي تنتظم الأحداث حوله ونزع الروائي عنها شيئا فشيئا كلَّ ما يجعل منها إنسانا فهي تميل إلى أن تكون شبحا لا نسمع إلاّ صوته- فـ"الروائي" الخفيّ عند ألان روب غرييه، و"أنتم" الضمير الوسيط بين ضميري المتكلم والغائب يتوجه به ميشال بوتور إلى بطل رواية "التعديل" والصور الغنائية الخاطفة لكلود سيمون.. هكذا يتخذ الروائي مسافات تجاه بطل لا يعدّ له وجود شهواني[1].

   ويختلف ساروت وغرييه، مُنَظِّرَا حركة "الرواية الجديدة" جذريّا حول موضوع الرواية. فإذا كانت ناتالي ساروت ترى أن موضوع الرواية يبقى دائما الحقيقة النفسية ولكنها تعتبر أن بلوغ أعماقها يتمّ بإهمال التحليل والالتصاق بالسلوك الذي نتناوله عبر أشد المحادثات تفاهة، فالوسيلة المستعملة إذن هي الحوار الملتقط للحركات التي تسميها ن.ساروت "ماتحت المحادثة".

   إذا كان ذلك موقف ساروت، فإنّ ألان روب غرييه يرى أنّ الهدف المطلوب بلوغه ليس الوجود النفسي بل العالم، فليس على الرواية أن تسعى إلى عمق خاطئ بل ينبغي أن تصبح "بصرية وصفية" ومن ثمّ كانت الأهمية الرئيسية المعطاة للشيء[2].

   فالرواية في هذا التيار لا تقع على الطريق المؤدّي من الواقع، إلى انعكاسه بل على الطريق الرابط بين إبداع وقراءة. فلم يعد هناك بالنسبة إلى القارئ قدر يضطلع به في المخيال بل فتنة تصيب. ولا تتأسس الفتنة الروائية في "الرواية الجديدة" على إمكانية مُشاكلة الواقع أي مطابقته، ولكن تتأسس على التكرار والاقتراح، ولا ترجع القيم الملحة إلى وصف نفسيّ ولكن إلى ورشة الافتتان. إذ يقترح الروائيّ أن يفرض على القارئ محتوى ذهنيا، ولا يكون ذلك أحيانا عبر الشخصية المسخّرة.

   ويحترم ميشال بوتور أطر الزمان والمكان في روايته "التعديل" إذ نعيش تمشيا بطيئا لحالات وعي. فـ"التعديل" هي مناجاة رجل عدل طوال رحلته من باريس إلى روما شيئا فشيئا عن تنفيذ مشروعه الذي عزم عليه أي التخلّي عن زوجته وأطفاله والعيش في روما مع عشيقته. فكان استعمال ضمير "أنتم" كإيقاع الملحّ لتلك الجمل الطويلة الملتفّة، كان مجهودا لدعوة القارئ إلى التطابق – إذا صحت العبارة- مع محتوى وعي خيالي، أو بالأحرى لفرض محتوى وعي وقتي خيالي على القارئ أثناء القراءة.

   وهو مجهود يذكرنا بأحد توجهات "الرواية الجديدة" غير أنه مُعبَّر عنه هنا (أي في رواية "التعديل") في شكل نحويّ شديد السذاجة، لأننا عندما نقرأ رواية فمهما كانت مشاركتنا لوجهة نظر الشخصية شديدة الكثافة، فإننا نظلّ نراها على شاشتنا الباطنية، مثل شخص ينفصل عنا ويعرض علينا مشهدا.

   فورشة كلّ من بوتور وروب غرييه تنزع إلى إجراء رقيا، فهذا الوعي الذي نُستدعَى إلى أن نجعله وعينا، يكرر دون هوادة صورا وأغراضا تأخذ أحيانا قيمة أسطورية. فواقعية بوتور في رواية "التعديل" هي واقعية أسطورية إذ يجد الوعي فيها نماذج أصلية. وحتى روب غرييه فقد قصّ على طريقته حكاية أوديب في روايته "المماحي". وعلى كل حال فإننا نجد في كثير من آثار "الرواية الجديدة" نقلا لبنى أسطورية في واقعية كثيرة التفاصيل.

   يسجل كُتّاب "الرواية الجديدة" عن طواعية سرّا في صلب كتبهم: ففي رواية "تصريف الزمن" لبوتور، يتعلق الأمر بفكّ مزخرفة زجاجية وتفكيك رواية بوليسية والوصول بذلك إلى سرّ المدينة. وعُقَد روب غرييه البوليسية تعرض ألغازها وقد عرّف ميشال بوتور الرواية يوما بأنها "خيال ماكر" مُلفّق لتشويش ذهن القارئ وكثيرا ما تنعدم إحداثيات الزمان والمكان في "الرواية الجديدة" والرواية تظل ملغزة فقط لأنّها ترفض إعطاء مداخلها ومخارجها للقارئ كي يعيد بناءها. ويهتمّ الروائي بعرض حركات وأشياء وأقوال على قارئه- وخاصة محتويات ذهنية حيث المشهد واقعي أو حلمي أو متخيَّل أو مشوّه من قبل الذهن. ولكن متى نكون في الواقع، ومتى نكون في الذكرى أو الحُلم؟ وحتى المحتويات الذهنية كالحوارات الباطنية ليست منقولة دائما عن شخصية تعيشها بطريقة صريحة. أحدهم يتكلم: منْ هو؟ يعسر على الأقل في بداية الرواية تعيين من أُسندت إليه هذه المناجاة.

   وقد عرّف ميشال بوتور الرواية سنة 1956 بأنّها استقصاء قاصدا في البدء أن يقول إنه على الروائي أن يتعهّد تجديد أشكال القصّ. وتُمثِّل آثار بوتور مثال البحث / الاستقصاء الذي يتورّط في اتجاهات مختلفة على التوالي. ونعرّف "الرواية الجديدة" عن طيب خاطر بأن نقدمها بوصفها سلسلة من المغامرات الجمالية بما تفترضه من مجازفات إذ قد يحدث أن تؤدي بعض المغامرات إلى طرق مسدودة. فالروائي يتعلق بكشف ارتقاء نحو الحكاية وبانعدام إمكانية الالتحاق بها حكايةً. ولم يعد الروائيّ واضعا يده على الحقيقة ومؤتمَنا على سرّ. فلا يقصّ حكاية بل يقدم فقط بعض المقتطفات وعلى القارئ أن يحاول إعادة تشكيلها. فالرواية الحديثة مثل لعبة البازل إذ يحدث أحيانا أن نفشل في إعادة تنظيمها. والرواية بأكملها تقع في عدم إمكانية أدائها فالروائي يبذل جهودا ليقول ما يعرفه ولكن في غموض. فتصبح الروايةُ روايةَ الروايةِ التي لن تُكتب لأنّها لا يمكن أن تكون وقد اعتبر جان بول سارتر رواية ناتالي ساروت "صورة مجهول" (1956) رواية مضادّة وقال: "يتعلّق الأمر بنكران الروايةِ ذاتَها وبتقويضها تحت أعيننا في الوقت ذاته الذي يلوح لنا فيه أننا نشيّدها وبكتابة رواية الرواية التي لا تتم". والواقع أن حجز الوجود يمنع كتابة الرواية.

   فالرواية الجديدة قلّما تنبثق عن أزمة سطحية تتعلّق بصفاء الجنس الأدبي أو بقيمته بل تنبثق عن عدم إمكانية قصّ حكاية ما إن نفكّر من قريب في ما يفترضه فعل القص الوحيد. بأي حق نكتب ولنقول ماذا؟ فالوجود يطغى على كل ما يمكن لنا قوله. لم ننتهِ قَطُّ من الواقع وفي البداية، بم نبدأ إذا أردنا أن نحكيَ؟[3].

   مثل هذه الأسئلة تحيلنا على مراجع "الرواية الجديدة" فروائيو هذا التيار تأثروا كثيرا بالفيمنولوجيا والوجودية والبنيوية[4].

   وعلى العموم، فخصوبة ورشة "الرواية الجديدة" لم تعد تحتاج إلى فضل بيان.

   ويمكن أن تظهر الآثار المنتجة صارمةً ومتشدّدةً ومن ثمة فهي مخصّصة لقارئ هو ذاته من صنف جديد. ويكفي الاهتمام الذي أثارته في فرنسا وخارجها والأبحاث والتعاليق التي استلهمتها و"الانتعاش" اللغويّ والنظريّ الذي أجرته و"الشواغل" النصّية التي جعلتها "الرواية الجديدة" قابلة للقراءة وخاصة القطائع الإيديولوجية التي وضّحتها، يكفي كل ذلك لبيان أنّ هذه الآثار طبعت بطريقة حاسمة الأدب الفرنسي في منتصف هذا القرن[5].

   فهل استفاد الروائيون العرب من هذا "الإرث" النظريّ والإبداعي في تعديل آثارهم وتوجيهها نحو هذا المسلك المتفرّد؟  وهل يكفي الله الروائيين العرب مؤونة الجهاد الإبداعي في طرق هذا النهج تقليدا واقتداء؟ أم هل يحتاجون إلى طبع رواياتهم بمياسم محلّية وعربية تُعرّب "الرواية الجديدة" كما تعرّبت من قبلها الرومنسية على أيدي الشابي وجبران والوجودية على يدي محمود المسعدي.



 [1]  Pierre De Boisdefre: "Les écrivains français d'aujourd'hui"- col. Que sais-je, PUF, Paris, 1973,p-p49-51. 

[2]   René Lalou   :: "Le romon français depuis  1900" –col. Que sais-je, P.U.F. Paris, 1963- chap:VIII, le roman d'aujourd'hui, par Georges Versini, pp122-123.

 

 

[3] - Michel Raimond: "Le romon depuis la révolution" –col. V. Armond Colin, Paris, 1967 – p.p  222-226.

[4] - Marcel Girard: "Guide illustré de la littérature française moderne" –ed. Seghers,  1968, p. 305.

[5] - Raymond Jean: art. "Romon: Le nouveau romon" –in. Encyclopaedia Universalis,  Paris, 1990. Corpus, vol. 20 .p.143.

Enter supporting content here

هذا موقع صابر الحباشة