Make your own free website on Tripod.com

site de Saber Habacha

cognition
Home
semiotique
roman
rhetorique
critique litteraire
poetique
roman
dialogue
grammaire
semantique arabe
semantique
polysemie
cognition
langue arabe
linguistics
About Me
Favorite Links
Contact Me
My Resume
linguistique
see my articles

ترجمة صابر الحباشة لفصل بعنوان "التلفظ" أنشأه أوزفالد ديكرو ونشر في الموسوعة الكونية الفرنسيةencyclopaedia universalis
ويندرج هذا العمل في لسانيات القول

التلفّظ

 

                                        *أوزفالد ديكرو   

 

 

لم يصر أخذ التلفظ بعين الاعتبار على نحو منظّم مألوفا إلا منذ مدة قصيرة قي اللسانيات الموسومة بأنها حديثة أو علمية.

وان كنا نستطيع ملاحظة هذا التناول بعد في مصنفات شارل بالي أو هنري فراي، فان ذيوعه يعود إلى كتاب "مسائل اللسانيات العامة" لإميل بنفنيست(1966) إذ يحمل قسمه الخامس عنوانا موحيا: "الإنسان في اللسان". وتظهر أصالة هذا التمشي جلية ما إن نقارنه بنظرية فرديناند دي سوسير.

ولنميز من الناحية المنهجية بين مجال الأحداث الذي يشكل حقل الملاحظة اللسانية والنظام النظري الذي ينشئه اللساني، ولنوضح ذلكّ، فسوسير يسمي القابل للملاحظة" كلاما" والنظام "لسانا".

إن اختيار كلمة "كلام" (وكثيرا ما يقصد إليها بكلمة"استعمال"( لتعني مجال الأحداث، نفهم منه أن الموضوع النظري- على النقيض من ذلك- يجب أن لا يحتوي أي إشارة إلى فعل القول. ومن ثمة جاءت فكرة أن هذا موضوع (أي اللسان) يتألف من سنن مقرر بوصفه تراسلا بين الحقيقة الصوتية و الحقيقة النفسية اللتين يعبر و يتواصل بهما. و إذا استطاع الموضوع العلمي "اللسان" أ، نقوم بوظيفته المنهجية، وأن يسمح-على الأقل جزئيا- بأن يفسر النشاط اللساني باعتباره حدثا، فان ذلك سيتم في حدود أن يكون هذا النشاط اللساني استعمال هذا القانون و استخدامه ولكن اللسان ذاته (أي القانون)، قد لا يحتوي على أي إشارة إلى الاستعمال إلا بوصفه أداة لا تحيل على مختلف استخداماتها.

انه تمش معكوس يسم لسانيات التلفظ، حتى ولو حافظنا على التفريق المنهجي بين القابل للملاحظة- المتكون من التطبيقات اللغوية- والمادة النظرية القائمة لنفسره- وهي المادة التي يمكن مواصلة تسميتها "لسانا"-، فإننا نرى أن هذه المادة تحتوي بطريقة مركبة، تعيينات تخص عمل القول، فهذه المادة تحتوي وصفا عاما و ترتيبا لمختلف وضعيات الخطاب الممكنة كما أنها تحتوي تعليمات تتعلّق بالسلوك اللسانيّ، أي بخصوصية بعض أصناف التأثير التي نمارسها عند الكلام، وخصوصية بعض الأدوار التي يمكن أن نتخذها لأنفسنا وأن نلزم الآخرين بها. وتفترض لسانيات التلفظ أن مجموعة من الأشكال النحوية ومن مفردات المعجم و من الصيَغ ومن التراكيب، سمتها الاعتيادية أننا باستعمالها ننشئ أو نسهم في إنشاء علاقات مخصوصة بين المتخاطبين. وإذا كان مجددا اعتبار اللسان سننا، فان ذلك ليس في معنى أن السنن يصلح لتسجيل محتويات الفكر، ولكن في معنى أننا نتحدث عن سنن التأدب، باعتباره قائمة من السلوكات الاجتماعية.

 

      المصطح:

 

أن نقول إن متتالية لسانية ينتجها باث تشكل ملفوظا، يعني أن نقول أولا إن هذا الملفوظ يقدم نفسه- وهو ينتجها- على أن هدفه هو أن يقول ما هو مقول فيها. ولنفترض أن أحدهم يلقي السؤال التالي "هل جاء زيد ليرى عمْراً؟"، فالاسم "زيد" لا يشكل في حد ذاته ملفوظا: إذ الباث لا يوافق على أن يبرر ذلك بنطق هذه الكلمة. فإذا نطقها فسيقول انه إذ قالها إنما فعل ذلك ليطرح السؤال الذي طرحه وأنه يصرح بأنه ملتزم فقط بمشروعية هذا السؤال و أهميته باعتباره كلا. والمقطع "هل قدم زيد"، معتبرا داخل المتتالية السابقة، لا يشكل هو الآخر ملفوظا: فموضوع العبارة الصريح ليس التثبت من قدوم زيد، ولكن هو المقصد الذي يعلل به قدومه. إذ يجب أخذ المتتالية جملة لتركيب ملفوظ. وينضاف إلى هذا الشرط الأول الذي يثبت للملفوظ مدى أدنى، شرط ثان يرسم له حد أقصى.وإذا كنا نستطيع داخل متتالية ما تحديد تعاقب مقطعين يزعم الباث أنه يربط بكل منهما مسؤوليته، فإننا نقول إن هذه المتتالية لا تتكون من ملفوظ واحد بل من ملفوظين. وقد يكون الأمر كذلك مثلا لو كان السؤال كما يلي "هل جاء زيد؟" وهل لرؤية عمرو؟"

فالملفوظ- كما ضبطناه منذ حين- هو متتالية متحققة فعلا أي هو تعلق مخصوص لكيانات لسانية. ولنفترض أن باثا آخر مختلفا عن الذي تخيلناه أعلاه يتحدث في نقطة أخرى من المكان و الزمان فيطرح السؤال نفسه لفظة لفظة، فإننا نقول أن ذلك يتعلق بملفوظ آخر. فاعتبار ملفوظين تحققين للجملة نفسها، يعني افتراض أنهما كليهما يستخدمان البنية اللسانية ذاتها. ومن ثم ينتج عنه أن ذلك الاعتبار مستقل عما يفهم من عبارة "بنية لسانية". فإذا ما تمثلنا هذه البنية اللسانية بوصفها تعاقبا خطيا للكلمات ذاتها منتظمة في نفس الترتيب. ولكن الأمر سيكون مغايرا إذا ما أدخلنا في فكرة البنية علاقات أكثر تعقيدا: إذ يمكن أن نتخيل أن نفسا متتالية الكلمات توافق تنظيمات مختلفة وإذن توافق جملا مختلفة وأن نتخيل أن متتاليات

مختلفة تظهر التنظيم نفسه و إذن الجملة نفسها. هكذا فان لا شيء محال( وبالتالي لا شيء بديهي) في القول إن الملفوظ:" هل جاء زيد لذلك؟" مستعملا في سياق حيث "لذلك" تعني "ليرى عمْراً" يحقق الجملة نفسها التي اتخذها الملفوظ مثالا أعلاه. ومن ثم نستنتج أن الجمل، كيانات مجردة، لا تنتمي للقابل للملاحظة، ولا للمعطى ولكنها عناصر من المادة النظرية المؤسسة لتتأكد من المعطى( هي تنتمي للسان بالمصطلح السوسيري).

علينا أن نميز أيضا بين الجملة والملفوظ من جهة والتلفظ من جهة أخرى فالتلفظ هو الواقعة التاريخية التي تنشأ عبر ظهور الملفوظ، وبعبارة أخرى، هو حدث إنجاز الجملة. إذ نلاحظ الفرق بين الملفوظ و التلفظ ما إن نتأمل التباس عبارة مثل:" أدهشتني رسالته"، هل نص الرسالة ذاته وجدته مدهشا، أم الملفوظات التي تتكون منها، وما هي الملفوظات التي تحتوي علامات أخاذة؟ أم هل إنني اندهشت بسبب أن تلك الرسالة قد كتبت لي كما هي و الحال أن كاتبها لا يكتب لي رسائل في العادة أو أ،ه يبعث لي رسائل من نوعية أخرى . ففي الحالتين الأخيرتين ما فاجئني هو التلفظ لا الملفوظ هكذا ندرك التلفظ بوصفه انبثاقا للملفوظ، على أن لا نخلط بين التلفظ و المشاط اللساني أي مجموع الحركات التمفصلية والسيرورة الذهنية و حسابات النهاية و الوسط، الذي قاد الباث إلى إنتاج ملفوظه و في حين أن هذا النشاط الذي يدرسه علم النفس اللساني السابق للملفوظ فان التلفظ مزامن له، انه وجود الملفوظ ذاته( سنبين فيما بعد أن ا للسانيات إذا أرادت إن تشرح معنى الملفوظات، فعليها إن لا تتجاهل التلفظ).

فالتفريق بين الملفوظ و الجملة، وقد ألقي في المجال الدلالي يتطلب لازمة طبيعية هو التفريق بين القيمة الدلالية المسندة إلى الملفوظ( و نسميها، اعتباطا، معنى) والقيمة الدلالية المسندة إلى الجملة( ونسميها دلالة)، والفرق بينهما في البداية منهجي ومن المؤكد أننا نحدد هذه أو تلك إلا بواسطة الافتراضات.

لكن المعنى المتعلق بالملفوظ، ينتمي إلى ما يمكن ملاحظته و يشتغل بالنسبة إلى اللساني بوصفه معطى و بوصفه حدثا يفسر. أما الدلالة، فعلى العكس من ذلك مثلها في ذلك مثل الجملة، مصادر على اعتبارها أداة مفسرة لمعنى الملفوظ و تعلياها الوحيد الممكن يتمثل في الطريقة التي بها تسهم في توضيح ذلك المعنى. و كون المعنى والدلالة مختلفتين كذلك من جهة مضمونيهما الخاصين بهما، يصبح ذلك بديهيا منذ أن لاحظنا عدم إمكانية إدراك مسبق لمعنى الملفوظ إذا ما عرفنا فقط الجملة المستعملة. هب أن باثا قال:" حتى زيد قدم" فمعنى ملفوظه يحتوي إشارة إلى إن مقدم زيد هي أمارة أقوى من أمارات أخرى على نتيجة ما (وضعية الخطاب هي التي تحدد تلك الأمارات الأخرى وتلك النتيجة) إذ من البديهي أن الجملة ذاتها لا تمكننا من معرفتها انطلاقا منها. وفوق ذلك، نرى أن الاختلاف بين المعنى و الدلالة يتعلق بطبيعتهما ذاتها لا بكمية الإشارات المنقولة وحدها. فما تقدمه الجملة هي معارف لفهم الملفوظ. هكذا، ففي مثالنا، لا تقول الجملة فقط إن مقدم زيد أمارة لشيء ما- وهو أمر بديهي مسبقا- إنها تقول إن الباث يحيل على نتيجة مخصوصة و أنه ينبغي على المؤول كي يفهم، أن يتنبأ بـتلك النتيجة. فالمعنى لا يساوي الدلالة مضافة إليها المؤشرات الملحقة بها إذ إن الدلالة تعطينا فقط تعليمات علينا أن نبتني انطلاقا منها المعنى من جديد.( ما تقدم، يؤِدّي إلى رفض المفهوم العادي للمعنى الحرفي إذا ما قصدنا بذلك جزءا من معنى الملفوظ يكون ممكن القراءة في الجملة بعدُ. و في الواقع فانّ ما تقوله الجملة مغاير جذريا لما يقوله الملفوظ وقد لا نعرف كيف نتواصل مع جمل لأن دلالتها تقوم خاصة على معارف لتحديد قيمة الملفوظ الدلالية: هذه القيمة وحدها يمكن أن تكون موضوع التواصل). يوجد تمييز آخر سابق لدراسة التلفظ بين المخاطَب ( بفتح الطاء) والسامع، رغم أن المفهومين كثيرا ما يختلطان و يؤخذان باعتبارهما مجرد بديلين لمفهوم المتقبل العام. فسامعوا الملفوظ هم أولئك الذين يلتقون على سماعه أو بعبارة أدق من ذلك، يلتقون على الإنصات إليه.فليس من الضروري فهم الملفوظ لنعلم أننا كنا له سامعين: تكفي معرفة البيئة التي أنتج فيها. أما المخاطبون بالمقابل، فهم أناس يعلن الباث أنه يتوجه إليهم. يتعلق الأمر إذن بدور يمنحه الباث إلى هذا أو ذاك بواسطة خطابه ذاته، بحيث إن معرفة بيئة الخطاب البسيطة لا تكفي لتحديدهم إذ تحديدهم جزء من فهم الخطاب. فالمخاطب يمكنه حتى أن يختار في حالات قصوى ألا يكون سامعا، هكذا نقول إن فابريكيوس(Fabricius) و مخاطب روسو( ( Rousseau:"يا فابرياكوس!  ماذا رأت روحك العظيمة؟..." دون أن يحتاج إلى عدّه ضمن سامعيه(و هنا ضمن قرّائه) الحقيقيين أو الوهميين. و بالعكس- و الحالة في هذه المرة تافهة- يمكن ألاّ يكون بعضُ السامعين مخاطَبين، ففي مسرحية"العالمات"(لموليير)(الفصل الثاني، المشهد السابع) يعتني كريزالChrysale) ) بالتوجّه إلى ابنته الوحيدة "بيليز"Bélise)) وهي التي لا يخشى جانبها، ناقدا مزاعم النساء العِلْمية. و عندما تأخذ زوجته الرهيبة"فيلامنت"Philaminte)) وضعية السامعة، يوحي لها بأنها ليست مقصودةً بتلك الانتقادات. و بالمثل، إذا ما أراد طفل أن "يحشر أنْفَه" في محاورة بين أبويه، فيمكنهما أن "يُرجعا الأمور إلى نصابها" بأن يلاحظا له أنّ"هذا لا يعنيك" نافيين عن الطفل دورَ المخاطَب و هذا يسمح برفض حقّه في الردّ و إذن في الكلام، وهو حقّ غالبا ما يكون مرتبطا بذلك الدور.

و التمييز الذي سبق نافِعٌ لدراسة اللسان و لدراسة الأدب في آن. و في الواقع تستعمل غالبية الألسنة علامات خاصة لتعيين وظيفة المخاطَب كما هي الحال في اللغة العربية بالنسبة إلى الضميرأنتَ إذا كان أ يتوجه إلى ب بالخطاب أمام ج، فانه يعين ب بـأنت و ج بـهو، و هو يمكن من جهة أخرى أن يشتم منه في هذه الحالة أنه عدواني من حيث كونه يقصي ج من المجموعة التي كونها الكلام. وكما هي أيضا حال تعدية الفعل مباشرة ( بمقابل استعمال الظرف أمام أو حرف الجر عن) في عبارة "سيكلم ص" و المخاطب كذلك يستخرج الدلالة التصريحية للوظيفة النحوية" الندائية الدعائية"كل من زيد و لئيم في "زيد، ماذا هناك؟" و "أين خفي يا لئيم؟" ( مركب اللئيم تعجبا خالصا،لا يؤدي بالضرورة الوظيفة ذاتها) فضلا عن أن النظرية الأدبية تلتزم وصف الوسائل المستعملة من قبل المؤلف لتحويل قارئ الكتاب أو مشاهد المسرحية إلى مخاطبه و ذلك باستدعاء تلك المحسنات مباشرة- أو بالمقابل ليذكر أنه (أي المؤول) لا يريد إعطاءه ( أي القارئ أو المشاهد) ذلك الدور، متجها به نحو شخص آخر.

  كما تلزمنا أيضا أربعة أزواج من المفاهيم على الأول: المقابلة بين المتلفظ و الباث و المقابلة الموازية بين الملتقى و المخاطب. و ضرورة هاتين المقابلتين تتصل بإمكانية دائمة يوفرها اللسان و تستثمر في الخطاب دون انقطاع هي أمكانية "إعطاء الكلمة" لأشخاص آخرين غير الذي ينتج الملفوظ فعلا وهو الذي نحتفظ له باسم الباث. هب أن أ باث يتجه إلى ب مخاطب بملفوظ م يسمى" متلفظا" الشخص الذي يسند إليه أ مسؤولية ما هو مقول في م، ونسمي "متلقيا" الشخص الذي قيل له، حسب رأيه ما هو مقول في م. وفي حالة ( هي الأبسط و لكنها ليست الأكثر تواترا) خطاب غير مباعد بين أطرافه إذ المتلفظ هو الباث و المتلقي هو المخاطب         و بالمقابل فانه عندما ينقل الكلام المقول، فان المتلفظ يمكن أن يكون الباث أو شخصا ثالثا أيضا.

  من الأمثلة على ذلك أنه قد يرد أن الباث نفسه يطرح أسئلة يرغب أو يرى أنه يتعين عليه الإجابة عنها. هكذا لاحظ علماء النفس ميل بعض الأطفال يريدون أن يحيطوا آباءهم علما بأنهم أتموا بعض الأعمال الفاضلة، إلى جعل آباءهم "كما لو" أنهم هم الذين يطلبون حكاية تلك الأعمال كطفل يقول عند الجلوس إلى مائدة الطعام:"أمّي، ماذا كنتُ أفعل منذ حين؟ كنتُ أغسلُ يديَّ."

فالأمّ مخاطبة بالملفوظ الاستفهامي و الشاهد على ذلك المنادى أُمِّي، أمّا الطفل فهو الباث بما أنّ ضمير المتكلم يعود عليه. و لكنه يقدّم أمّه كأنها تطرح عليه سؤالا:"ماذا كنتَ تفعل؟" فالمخاطبة إذن في خطاب الطفل، متلفظة بالملفوظ الأوّل و الطفل الباث متلقيه. تبادل الأدوار ذاته يسمح بوصف خطاب يحسّ أ فيه بأنّ ب يندهش لحضوره، فيقول له:"لماذا أنا هنا؟ لأنّ ذلك يسرّني". فباثّ السؤال هو متلقيه، و المخاطب هو المتلفظ به. و تستعمل الوسيلة نفسها في الخطاب الجامعي إذ يطرح المؤلف( سلسلة من الأسئلة معلنا المراحل الأساسية لتمشيه، أي يُظهِِِِِر طرحها على لسان قارئ مُهتمّ- إذن وهميّ- يقترب هكذا من منزلة المتلفّظ. فضلا عن أنّ المعنى المزدوج لكلمة سؤال ذو دلالة من زاوية النظر هذه: إذ نتناول سؤالا معتبرا موضوعَ خطاب و لكننا أيضا نطرح سؤالا باعتباره استفهاما. و لكن أليس الموضوع الذي يتكلم فيه أحدهم، شيئا آخر للظاهرة نفسها- أكثر من جهة كون خطابات مختلف المتخاطبين أشدّ تشابُكا. وتحرّضنا أسبابٌ شتّى على فهم كثير من الملفوظات المنفيّة باعتبارها دحضا للملفوظات المثبتة المقابلة المنسوبة إلى متلفّظ خياليّ. وهذه حالة البنى المتكرّرة نحو"ليس فرنسيّا بل هو بلجيكيّ". فملاحظة شروط استعمال هذه البنى، تبيّن أنّه ينبغي لاستعمالها شخص ما قادر على إثبات ما يكون أو نفيه. هكذا يمثّل الملفوظ المأخوذ في المثال ضربا من الحوار المبلور حيث يُثبت متلفّظ مختلف عن الباثّ أنّ أحدَهم فرنسيٌّ ويُناقض كلامَه ويصوّبه متلفّظ ثان(مماثل في هذه المرّة للباثّ). و يكون هذا التأويل أشدّ إلزاما من ذلك إذا أُدخل التصحيح بواسطة بالعكس"لم يسافر زيدٌ بل بالعكس لقد قال لي أنّه ن يتحرّك هذا الأسبوع". فالملفوظ الثاني يقدّم نفسه على أنّه نقيضُ شيء ما، ولكنّه نقيض ماذا؟ ليس نقيض المحتوى العامّ للملفوظ الأوّل الذي هو مُؤيّد في الواقع. فإذا ما كان ثمّة تضارُب، فمع الإثبات المنفيّ في الملفوظ الأوّل الذي يحافظ إذن على ضرب من الحضور رغم النفي الذي تعرّض له ذلك الضرب. هناك أيضا، تُفسَّر الأحداث جيّداً إذا ما وصفنا الملفوظ المنفيّ باعتباره محتويا إثباتا في الوقت نفسه بحيث يكون المتلفّظ إمّا مخاطَبا أو شخصا ثالثا فضلا عن"لا" يُجيب بها الباث-المتلفظ.

ففكرة أنّ إثباتا مبطّنا في الملفوظ المنفيّ مُعلّلة من الناحية اللسانية وهي إلى ذلك مضيئة من الناحية النفسية. و لمعرفة ذلك لا نحتاج إلى أن نؤكّد مع فرويد(Freud) أنّ ذلك الإثبات يُكوّن حقيقة الملفوظ كما يعبّر عن رغبة اللاوعي و أنّ النفي شرط سطحيّ مفروض من قبل الرقابة لتمرير الإثبات. يكفي أن نبحث-حتى و نحن متعلّقون بالسطح- عن تفسير الطريقة التي بها تترابط الملفوظات في الخطاب. و سنرى غالبا النفي لا أ   يتبع مسارا بموجب بعض مبادئ "الفِطرة السليمة"، يمكنه أن يصل إلى النتيجة أ . ففي قصيدة فرجيل((Virgile الرعوية الأولى يقول ميليبي(Mélibée) و قد قارن حظّه النحس بهناء صديقه تيتير((Tityre، يضيف "لست أحسده على أيّ شيء" فكي نعطيَ خطابَ ميليبي انسجاما داخليا، ينبغي التسليم بأنّ النفي هنا يُفنّد النتيجة التالية"الغالب على الظنّ أنّك حَسود" ينسبها ميليبي إلى مخاطبه تيتير.

فالأمثلة السابقة تبيّن أنّ إمكانية جعل الآخر يتكلم في خطابنا الخاصّ تتجاوز مجال ما نسميه عادة "الخطاب المنقول". و لكنها لا تغطّي كل ذلك المجال. هبْ، في الواقع أنّ باثا أ  يريد إعلام مخاطبه بأقوال تلفظ بها ب. سيقول في الأسلوب المباشر: "قالب: انخفضت البطالة" أو في الأسلوب غير المباشر الموصول "قالب إن البطالة انخفضت" ففي كلتا الحالتين لا يقوم ب داخل خطاب أبدور المتلفظ.و الإثبات الوحيد المنجز موضوعه أقوالبالسابقة فـأهو المتلفظ بهذا الإثبات: إذ يقدّم نفسه بوصفه مسؤولا كما لو يتعلق الأمر بإثبات ذوق  ب أو جواربه. و لنتخيّل الآن أنّ أ  يقول:"بدأت سياسة الحكومة تؤتي أكلها: حسب ب ستنخفض البطالة" فليس موضوع الخطاب هنا كلام ب (لأننا لا يمكن أن نستنتج شيئا من هذا الكلام الذي قد يكون خاطئا) و لكنه الوضعية الاقتصادية. فـأ يرجع إلى انخفاض البطالة و يستنتج منه نجاح الحكومة. ببساطة لا يريد إن يأخذ على عاتقه أمر إثبات أنّ البطالة انخفضت و عمد إلى إعلان ذلك على لسان ب . إذ يتعلق الأمر بخطاب عن الحقيقة لا عن الكلام و لكنه خطاب أعطيَ الكلام فيه لمتلفظ مختلف عن الباث.

ففي هذه الظروف فقط، يتضمّن الخطاب المنقول تغيّر المتلفظ و يُظهر تعددية الأصوات المختلفة يحملها باث واحد. و السمة الخاصة بهذه الوضعية هي أنّ هدف الكلام المُعلَنَ ليس نقل الكلمات إذ تقرير الكلمات مُدمَجٌ في الخطاب عن الأشياء. و سبُل السلطة و التهكّم و التنازل هي صور من هذه الوسيلة متواترة بطريقة خاصة.فالسلطة نحو "كما يقول أفلاطون" أو نحو "كلنا نعلم أن..." مدرجة في عرض حجة تسمع بالاستنتاج انطلاقا من تلك الحجة دون أن يكون علينا البرهنة على صحتها-كما انه لا نطلقها من عندنا بل على لسان أفلاطون أو "كلنا". و يجري التهكم بالطريقة ذاتها ولكن في اتجاه معاكس. فلبيان خطا أطروحة نستعمل حججا لا معقولة على حسابها مسندة إلى المدافعين عن تلك الأطروحة. والتنازل يدخل أيضا في الترسيمة ذاتها. إذ الملفوظ التنازلي المسبوق ب مع أن أو المتبوع ب لكن، غالبا ما يكون لخصم حقيقي أو خيالي نعطي إليه الكلمة   و نسمح له ولو للحظة بالمحاجة بمعنى مضاد للذي نريد استنتاجه. ويمكننا إذن حسب استراتيجية أساسية في الليبرالية أن نقدّم الحقّ المعروف للآخر في الكلام بوصفه مقوّيا للنتيجة التي بواسطتها نتضادّ معه، فهي تظهر له بالأحرى" موضوعيةّ" حتّى أنّها لم تخش مواجهة وجهة نظرالخصم. وإذا تمكّنت كلّ هذه الروابط البيذاتية من التحقّق في النشاط اللساني، فإنّ التلفّظ لا يتطابق مع مجرّد بثّ للأقوال إذ يمكن للباثّ أن يسلّم للمخاطب أو لشخص ثالث مكان المتلفّظ ويأخذ مكان المتلقّي.

 

معنى الملفوظ باعتباره وصفا للتلفّظ

 

بالنظر عبر المصطلحية التي كنا بصدد اقتراحها، يصلح مفهوم التلفّظ في الوقت ذاته لوصف معنى الملفوظات(مُعتبراً حَدَثا، مُعطًى للتفسير) ولتثبيت دلالة الجُمَل(أي الموضوع الذي بواسطته يفسّر اللّسانيّ المعنى). في خصوص النقطة الأولى، يمكن لنا أن نعرّف معنى الملفوظ(دون أن يكون التعريف المقترح، هو الوحيد للمكن) بوصفه وصفا لتلفّظه: قد يكون ضربا من الصور بصنعه الباثّ للمخاطب، يَسم به الحدَث التاريخي الذي يمثّله ظهور الملفوظ.

في صلب هذا التعريف توجد فكرة أنّ الباث حتى في الملفوظات الأكثر"موضوعية" في الظاهر يتحدث عن التلفظ. تاريخيا يجب أن نربط مثل هذه الأطروحة بأبحاث بنفنيست(Benveniste ) عن الضمائر(مسائل اللسانيات العامة، الجزء الأول، الفصل العشرون) حتى و إن انتهت إلى وضعها موضع شك.

يرتكز بنفنيست على أمر متعارف عليه وهو أن ضمائر المتكلم و المخاطب تصلح على التوالي لتحديد الكائن الذي هو بصدد الكلام و الكائن الذي يُكلّم. و ينتج عن ذلك أننا باستعمالنا أحد الضمائر إنّما نحيل دائما على كلامه الخاص بإلحاح من الخطاب الذي اُستُعمِل الضمير في نطاقه.

و اللحظة العسيرة في منطق بنفنيست هي تلك التي انطلاقا من ذلك الحدث و أخذا في الاعتبار أنه توجد ضمائر المتكلم و المخاطب في كل الألسنة المعروفة، يستنتج أن الإشارة إلى بداية الخطاب سمةٌ جوهرية أساسية للكلام البشري.

وهو استنتاج لا يُحتاج إليه إذا فهمنا من "سمة جوهرية"، أنّ المضامين التي يتواصل عبرها الكلام، قد جعلتْها سمة ضرورية. و في الواقع نستطيع دائما أن نجيب بأنّ الاستعانة بـأنا و أنتَ لتعيين كائنات مخصوصة هي مجرّد   وسيلة تفسّر كونيتها فقط بميزتها الاقتصادية.                  

في قلب هذا التعريف توجد فكرة أن الباث، حتى في الملفوظات الأكثر "موضوعية" في الظاهر، يتحدث عن التلف. تاريخيا يجب أن نربط مثل هذه الأطروحة بأبحاث بنفنيست عن الضمائر(مسائل اللسانيات العامة، الجزء الأول، الفصل العشرون)، حتى وان انتهت إلى وضعها موضع شك.

يرتكز بنفنيست على أمر متعارف عليه و هو أن ضمائر المتكلم و المخاطب تصلح على التوالي لتحديد الكائن الذي هو بصدد الكلام و الكائن الذي يكلم. و ينتج عن ذلك أننا باستعمالنا أحد الضمائر إنما نحيل دائما على كلامه الخاص بإلحاح من الخطاب الذي استعمل الضمير في نطاقه. و اللحظة العسيرة في تفكير بنفنيست هي تلك التي انطلاقا من ذلك الحدث و أخذا في الاعتبار أنه توجد ضمائر المتكلم و المخاطب في كل الألسنة المعروفة، يستنتج أن الإشارة من البداية إلى الخطاب سمة   جوهرية أساسية للكلام البشري. و هو استنتاج لا يحتاج إليه إذا فهمنا من "سمة جوهرية" أن المضامين التي يتواصل عبرها الكلام قد جعلتها سمة ضرورية. و في الواقع نستطيع دائما أن نجيب بأن الاستعانة بـأنا و أنت لتعيين كائنات مخصوصة، هي مجرد وسيلة، تفسر كونيتها فقط بميزتها الاقتصادية. ولنبين ذلك، يكفي تخيل لسان بلا أنا و أنت و ترجمة كل المعلومات المتلفظة بـأنا و أنت. فجاسر لكي يقول "أنا حزين" عليه أن يقول" جاسر حزين و لكي يقول "اسمي جاسر" عليه أن يقول "الشخص الماثل في مكان كذا ساعة كذا اسمه جاسر". فإذا ما أردنا المحافظة على استنتاج بنفنيست الذي بموجبه تكون الإحالة في بداية الخطاب جوهرية في الكلام، علينا أن نصلها عن حجاجه، وعلينا ألا ترتكز على الوظيفة المرجعية للكلمات المخصوصة (ضمائر أن عناصر اشارية مثل هنا و الآن)، لأن الإحالات نفسها يمكن دائما و عند الاقتضاء أن تحصل دون تلك الكلمات. و بصفة أعم إذا كانت الإحالة على التلف مكونة معنى الملفوظ، فليس ذلك لأن هذا لا المعنى يحتوي إشارات يستحيل التواصل في شأنها بوجه آخر إلا بالنسبة إلى الوضعية التي نتكلم فيها. و للدفاع عن أطروحة بنفنيست، ينبغي الاحتفاظ بأن المعنى نفسه يتمثل في وصف للتلفظ: فالإشارة التي يقوم بها له تتعلق إذن بما يتكلم به عنه، ولا يتعلق الأمر بهذا الاعتبار بوسيلة بل بضرورة.

نقف على حجة أولى في اعتبار ما يسميه فلاسفة اللغة بعد ج.ل. أوستن "أعمالا لاقولية". بين الأعمال التي نبحث عن إتمامها بإنتاج ملفوظ، يفرق أوستن بين الأعمال اللاقولية (الاستفهام، الإثبات، الأمر، الوعد...)وأعمال قصد القول ( المؤاساة، التعيير، الحمل على الاعتقاد...) فالأولى تختص بسمة أساسية تتمثل في أن المتلفظ لا يمكنه إتمام ذلك العمل إلا بمحاولة احاطة المتلقي علما بأنه يتمه في حين أننا يمكن أن نواسيَ أحدا و نحن نخفي ذلك، فإننا لا نعلم كيف نستفهمه أو نأمره دون أن نسعى ي الوقت نفسه إلى أن نعلمه بأنه موضوع استفهام أو أمر. فسمة هذه الأعمال "المفتوحة" أساسا وصلتها الضرورية بتواصلها الخاص، تعسران عدم اعتبارهما قسما مندمجا في معنى الملفوظات، بواسطتهما تصنع الملفوظات. على أنه قد يرد أن اتما م عمل لا قولي –وهذه سمة ثانية- يحتوي بالضرورة تأهيلا للتلفظ. فإلقاء أمر، هو الزعم من جهة أن المتلقي مجبر على القيام بعمل ما، وهو الزعم من جهة أخرى أنه مجبر تبعا للتلفظ الناقل لذلك الأمر.فالمتلفظ إذ يأمر أحدهم بالمجيء، إنما يسند لكلامه الخاص القدرة على اختراع إجبار لمتلقيه لم يكن من قبل. والأمر ذاته ينطبق على السؤال، فطرح سؤال"ماذا فعلت؟" على أحدهم، وسم الحدث حتى و قد أنشأه إنتاج هذه الكلمات بوصفه مجبر للمتلقي على ضرب معين من السلوك اللساني (وبالتعالق، أن يقول ماذا فعل) يبين هذان المثالان ما يقتضيه الافتراض العسير التجنب، والذي بمقتضاه يكون كل كلام أمرا، سؤالا..الخ.منتميا إلى معنى الملفوظ و يقتضي هذا الافتراض أن نعتبر أن تأهيل الحدث باعتباره خالق اجبارات، أي بوصفه منتجا تحول قضائي لوضعية المتخاطبين.

  ولننظر كيف أن تأهيل التلفظ منشئ للمعنى، يمكن لنا بالتوازي أن نضع في الاعتبار ما يسميه ج.س. أنسكمبر وأ. ديكرو "حجاجا". فعدد كبير من الملفوظات لا يمكن فهمها إلا بمعرفة مقصد المتلفظ المفتوح لحمل متلقيه إلى ضرب معين من الاستنتاجات.

فلنقارن مثلا الملفوظين )1) أكل زيد قليلا.

                             (2) زيد قليل الأكل.

فهما لا يتمايزان عن بعضهما بعضا بالمعلومات التي يعطيانها و الإمكانية الوحيدة لمقابلتهما تتمثل في تسجيل أنهما لا يمكن أن يقدما لصالح النتيجة نفسها إذ المتلفظ الذي يستعمل الملفوظ الأول في مقصد معلن لحث متقبله على أن يطعم زيدا، يعتبر الملفوظ الثاني بالعكس يوحي محرضا على عدم دعوته للطعام: بحيث أن عليه أن يعمد إلى لكن لكي يستعمل الملفوظ الثاني و يوحي بدعوة مفتوحة معا فيقول:"زيد قليل الأكل و لكن أدعه مع ذلك". فإذا ما سلمنا إذن بأن الملفوظ(1) و الملفوظ(2) منتجين في الوضعية نفسها، لهما معان مختلفة، فانه يبدو من العسير عدم اعتبار القصد الحِجاجي منشئا للمعنى. و حتى يتمكن هذا الاستنتاج من أن يخدم الأطروحة المدافع عنها هنا والتي بموجبها يكون المعنى توصينا للمتلفظ، علينا الآن أن ندقق الأمر المقصد الحجاجي الذي نحن بصدده إذ هو ليس بالضرورة ذاك الذي يقود التلفظ في الواقع: بل هو معطى، مقدم بوصفه موجها. فمن الممكن جدا استعمال(1) و (2) في معنى نفسه، مثلا ليدعو المخاطب ( الذي نفترض أننا حددنا هويته مع المتلقي) زيدا للطعام إشفاقا عليه لأنه لم يأكل كثيرا. لكن استعمال (2) يجعل الهدف المطموح إليه، وفي حل للمناورة و التجربة: فبـ(2) "نوهم" بأننا لا نبحث عن الدعوة. فما يميز بين (1) و (2) هو إذن المسعى الحجاجي المسند إلى التلفظ، فقط لا غير حسبما نعمد إلى أحد أو غيره، نصف المتلفظ باعتباره آيلا إلى ممارسة تأثيرات متناقضة. مما يِؤدي بنا إلى استنتاج أن الملفوظ الحجاجي ( وأغلبية الملفوظات حجاجية)

يتحدث عن تلفظه الخاص كان مصرحا بالمفعول الذي يبحث عن استخراجه و تنتمي بعض الكلمات إلى صنف من الظواهر فيه ينكشف أيضا كيف يخصص المعنى الحدث المنشأ عبر التلفظ. يمكن أن نبين أن عددا كبيرا من ملفوظاتنا ضمنيا تمثلا لشخصيات التلفظ الابتدائية: الباث و المخاطب. وهذا ما يحدث مثلا، فيما يتعلق بالمخاطب كلما لأعطي دور المتلفظ و كلما جعلناه يتكلم. فإذا ما سلكنا بأن الملفوظات المنفية تضع متلفظا يثبت ما هو منفي. فضلا عن ذلك إذا ما سلمنا غالبا بأن ذلك المتلفظ يحدده المخاطب، فانه علينا إن نستخلص في هذه الحالات أن معنى الملفوظ يحتوي صورة المخاطب مقدما بوصفه إنسانا من شأنه أن يؤكد ما ينفيه الباث.            و استعمال مركب مثل بما أن له مفعول مشابه. فقولك: بما أن أ، فانّ، ب يضع متلفظا يقوم بالعمل اللاقولي الذي حدده أ الذي يرتكز لذلك على أن متلقيه نفسه أكد القضية المؤكدة في ب أو هو جاهز لتأكيدها. إنّ الملفوظ:"بما أنّ الطقس جميلٌ، فلْتخرجْ" يمثّل هكذا متلفظا ينصح المتلقي بالخروج مؤسسا هذا الأمر على أنّ المتلقي زعم أو علم أنّ الطقس جميل، قضيةً يمكن للمتلفظ ألاّ يأخذها في اعتباره الخاص.(لاحظْ أنّ الأمر لا يكون على هذه الشاكلة إذا ما عوّضنا بما أنّ بـلأنّ: فسيظهر الطقس الجميل بوصفه ملفوظا لمتلقّ هو نفسه يشكّ فيه أو لم يفكّرْ فيه.) النتيجة أنّه في حالة الخطاب غير المتباعد العناصر حيث نحدّد من جهة الباثَّ و المتلفظَ، ومن جهة أخرى المخاطبَ والمتلقّيَ، فانّ استعمال بما أنّ يقتضي تمثلا معيّنا لأقوال الشخص الذي نتوجّه إليه(المخاطب) و اعتقاداته.

   سنلاحظ أنّ تمثُّلَ الآخر و بطريقة أعمّ أنّ صورةَ التلفظ المسيّرة في معنى الملفوظ ليسا مثبتيْن بأتمّ معنى الكلمة و لكنهما بالأحرى مؤدّيان(بمعنى أنّ الممثل المسرحي لا يثبت الأحداث الممثلة في المسرحية و لكنّه يؤدّيها، أي انه يعطيها حقيقتَها بحضوره نفسِه).ر فإذا سلّمنا بتصوّر للمعنى كنا بصدد تقديمه، فانّ مفهوم الإثبات والتأكيد لا يمكن أن يصلح لتعريف العلاقة بين الملفوظ     و معناه. فلا ينبغي أن يُعتبَر الملفوظ وسيلةً لتأكيد حقيقة ما: فالأولى أن نقولَ انّه يظهر ذلك المعنى. في حين يصبح الإثبات من هذا المنظور داخلا في المعنى. فهو يُكوّنُ عملا لاقوليا بين أعمال أخرى أي تخصيصا للتلفظ المقدَّم بوصفه يخلق للمتلقي حملا على الاعتقاد. لكن المعنى ذاته أي أن يكون التلفظ-ضمن أشياء أخرى، و بطريقة عرَضية- تأكيد فكرة أو أخرى، هذا المعنى ذاته ليس مؤكّدا: لقد أقام الملفوظ عليه برهنةً.

 

 

تسجيل التلفظ في اللسان

 

فعلى اللسانيات-كما كنا نبيّن-أن تُعنى بالتلفظ بحيث أنه عليها أن تعطيَ وسيلة تقديم معنى الملفوظات. و لكن عليها كذلك إن تسمح بتفسير ذلك المعنى بالاستناد إلى دلالة الجمل و إلى ظروف الكلام.

و الحالة هذه، فانه توجد بواعث على التسليم كذلك في مجموعة التعليمات-هذه التي تمثّل دلالة جمل التلميحات إلى تلفّظها المضمر- (التسليم) بما يمكن أن نعبّر عنه بقولنا إن التلفظ مأخوذ على عاتق اللسان.

سنجعل مثالا أوّل لدراسة الظروف أو الظروف  بعض  أنّ  نعلم  اذ  (adverbes )      

التراكيب الظرفية يمكنها بخلاف غيرها أن تستند إلى عمل لاقولي منجز بواسطة ذلك الملفوظ الذي تظهر فيه. و هذا ما يحدث خصوصا إذا ما وضعنا في صدارة الجملة تراكيبَ مثل: بصدق، مهما حدث، بكل النزاهة، سرّيّا، باختصار. فبإضافة إحدى هذه العبارات أمام: قولك هذا المطعم ممتاز، فإننا لا نخصّص كونَ المطعم ممتازا و لكن الإثبات الذي نقوم به لذلك الامتياز، إثبات نقول انه صريح، أو مرتجل أو نزيه أو سرّيّ، أو مقدّم في شكل ملخّص.

مثل تلك الاستعمالات الظرفية تشارك في تقييم التلفظ المضمر بعدُ(انظرْ أعلاه) عن طريق إنجاز الأعمال القولية كالإثبات. و الحال أنه يجب أن نلاحظ فضلا عن ذلك، أنّ كل تركيب ظرفي لا يحتمل هذه الوظيفة-حتى ولو كان من الناحية الدلالية قريبا جدّا من التراكيب السابقة- فهذه لا يمكن أن تعوّض مثلا في الدور الذي أسندناه إليها بـ:بمصداقية، صدفةً، بطريقة نزيهة، بطريقة عجيبة، بطريقة مختصرة. و بالتالي نستنتج أنّ إمكانية استعمال تلفظي للظروف ليست مسقطةً على اللسان، بل هي مقدّرة في التنظيم النحوي الداخلي. و حتى و نحن نعطي لكلمة"لسان" معناها الأضيق، فإننا مجبورون لوصفه أن نصف بعض عناصره باعتبارها محمولات ممكنة للتلفظ. ونحن مسوقون إلى النتيجة نفسها إذا ما اعتبرنا وجود أواليات تعجبية في كثير من الألسنة (وربما في كل الألسنة). قد يتعلق الأمر بصيغ إعرابية كالتي تسمح مثلا بإعطاء إثبات أن س لطيف جدا صبغة "ذاتية" أو"تعبيرية" وذلك بتشكيلها على نحو:" كم س لطيف ؟"، " سعلى قدر من اللطافة كبير؟"، في غاية اللطف؟"...كيف نصف المفعول الدلالي لمثل هذه الصيغ؟

من الثابت أنها لا تصلح لتدل على"درجة من اللطافة" قد تكون مختلفة عن تلك الموسومة بـجدّا. فما تصلح له هذه الصيغ بالأحرى هو أنها تنشئ صورة للتلفظ تظهر بفضلها " منتزعة" من المتلفظ لِما وقر في نفسه من إعجاب بلطف س كأنه يدفعه إلى الحديث عنه، فالكلام متخذا مظهرا شبه اضطراري وقد أثاره شعور إنما يقره لك من كونه يصرح به.

فضلا عن هذه التراكيب التعجبية المصحوبة بخصائص إعرابية دقيقة فالألسنة تملك أيضا لتملأ الوظيفة التعجبية كلمات مخصوصة هي أسماء الأفعال و أصوات التعجب: آه؟ أوه؟ أواه؟         وا حسرتي؟...التي تكون جزءا هاما من كل محادثة، تصلح هي أيضا لتوثيق الكلام: عند تنطق بها نأخذ نفسا بحيث لا نقدر سوى على النطق بها. و هي دائما الوظيفة نفسها التي تعوضها التنغيمات:"حركات الكلام" تلك: فإبداء الازدراء بتنغيم بدل التصريح السافر" أزدريك" هو إظهار أننا كما لو كنا نبدأ ذلك غير مختارين، كما لو أننا تركناه فقط وحده يبدي مشاعره، كما لو أنه يفيض من القلب على الشفتين. هكذا فان مكونات اللسان الأساسية الثلاثة: الإعراب، المعجم، الصوتيات تحتوي وسائل خاصة تسمح للباث، داخل الملفوظ، أن يصف تلفظه بوصفه ضروريا غير اعتباطي- بمالا يمنع أن تكون هذه الوسائل كغيرها من الكيانات اللسانية شديدة الاعتباطية.

ويوجد مثال أخير خاص بصنف من الظواهر شديد الاختلاف، لكنه يدلّ هو الآخر على أنّ التسجيل في اللسان من الحدث العامّ للتلفظ. فعلامات التلفظ التي أشرنا إليها حتى الآن هي كيانات لسانية معتبرة معزولة عن بعضها بعضا(كلمات، تراكيب نحوية، تنغيمات) و سنُعنى الآن بالصلات بين الكيانات اللسانية- و بالتدقيق بصلة مخصوصة: الاشتقاق النحتي الصياغي(délocutivité) (مفهوم ابتدعه إميل بنفنيست في الفصل الثالث و العشرين من الجزء الأوّل من "مسائل اللسانيات العامة").

   فأن نقول بصفة عامة إن العلامة ع2 مشتقّة من العلامة ع1 يعني من جهة أنه يوجد تشابه    (و ربما تطابق) بين الدالّيْن ط1 و ط2، ومن جهة أخرى العزم على استدعاء ع1 في الوصف الذي نعطيه من المدلول ت2  لـع2، لكن العكس غير صحيح. هكذا فالقول إن مُنيْزِل ع2 مشتق من منزل ع1 ، يعني العزم على تمثيل المدلول ت2 لمنيزل بالنسبة إلى مدلول منزل بوصفه "منزلا صغيرا"، مع رفض تمثيل منزل بوصفه"منيْزلا كبيرا". في هذا المثال يقوم الرابط بين وع1  على أنّ ت2 يُنظر إليه باعتباره تخصيصا للمدلول ت1 لـع1 . أحيانا أيضا فانّ الدال ط1لـع1 هو الذي نستدعيه في التمثيل الدلالي لـع2 . و لنأخذْ مثال الاسم الإنكليزي (sir) باعتباره ع1 و الفعل الإنكليزي الأمريكي (to sir) باعتباره ع2 و نسلّم باشتقاق الثاني من الأوّل إذا ما وصفنا ت2 ( ولا نعلم كيف نصفه بطريقة أخرى) باعتباره "نطقا بلفظة sir متوجها إلى شخص ما".

   رغم أنّ هذه الحالة الأخيرة تدخل حسب بنفنيست ضمن الاشتقاق النحتي الصياغي فإننا نحتفظ بهذا المصطلح لاحتمال آخر ذاك الذي نَصِفُه ت2 بالإلماع إلى عمل لا قولي محتمل لتخصيص تلفظ يدخل فيه ت 2 هذا المثال مختلف عن سابقه من جهة كون العمل اللاقولي هو شيء آخر مغاير تماما للنشاط الصوتي البسيط القائم على إرسال بعض الأصوات بحيث إن عملا لا قوليا يكون ممكن التحقيق بفضل ع1 يمكنه إن يتحقق أيضا بواسطة علامات شديدة الاختلاف. لذلك لا يختزل الاشتقاق النحتي الصياغي في ذكر كلمة أي في ما يسميه المناطقة "دلالة ذاتية"

 أو "ذكرا". عندما توجد النحتية الصياغية   délocutivité بالمعنى المعطى هنا لهذا المصطلح، فان الإشارة إلى ع1 المكون من المدلول ت 2  ل ع2  ليست إشارة فقط إلى إنتاج المتتالية الصوتية ط1 :إنها الإشارة إلى التزام متلفظ يمكنه أن يزعم أنه أخذ على عاتقه- بواسطة الحدث الذي اختاره- تحقيق الكيان اللساني ع1 .

   لنأخذ في مثال أول للاشتقاق النحتي الصياغي فعلا ع1  دالّه ط1 هو شكر و مدلوله ت1 "تسجيل الثناء" يمكن أن نصف صلته بالفعل ع2 ذي الدال نفسه(ط1= ط2= شكر) والمدلول ت2 "الدعاء بالإثابة" بأنها اشتقاق نحتي صياغي والواسطة ستكون العبارة الجاهزة "شكر الله سعيك" مستعملة في الرد على معروف وفيها يصلح الفعل شكر للدلالة على عمل تسجيل الثناء (ت1) كما ينجز عملا آخر. يمكننا إذن أن نقدر تفسيرا لذلك سواء أكان من زاوية النظر التاريخية أو بتقدير العلاقات التي يحسها المتكلمون الآن لوصف ت2 باعتباره "قياما بعمل يمكن لشخص أن يقوم به في وضعية معينة باستعمال القوالب الجاهزة السابقة". وليس من قبيل الاعتراض ملاحظة أن المدعو له (و غيره) ينزع و هو يسمع العبارة الجاهزة "شكر الله سعيك" إلى نسيان الثناء والاحتفاظ فقط بالدعاء أي انه يؤول فعل شكر بوصفه دالا  ت2  . لأن وجود ع1 وع2  المتزامن يجعل من الممكن دائما إعادة قراءة ع2 في ضوء ع1 كما لو أنّ ع2 كان حاضرا من قبل مختوما في القوالب الجاهزة التي يشير إليها.

   و يوفّر لنا مجال أسماء الأفعال، وهو مجال لساني مختلف جدّا عمّا كنّا فيه، مثالا ثانيا على إلحاق قيم مرتبطة بالحدث التلفظي، بدلالة الكلمة.

   هب ع1 كلمة يحيا معتبرة مضارع الفعل حيِيَ مستعملة بالمدلول ت1  (="الدعاء بالحياة)، في قوالب مثل يحيا الملِك! ، تصلح تلك الكلمة وهي تدلّ على تمنّي حياة طويلة للملك، للقيام بعمل لا قولي مخصوص، يتمثل في التعبير عن الولاء. ممّا خوّل لـيحيا أن تصبح كلمة جديدة ع2 ، تكوّن صنفا من أسماء الأفعال قيمتها ت2  ببساطة هي إظهار التعلّق الولائي للمتلفظ بالأمر المذكور بعد يحيا. فما يظهر إنما هو ع2 في تحيا الحرب! (الموت، الكهرباء، الخ.). أكثر من ذلك مثلما هو الأمر في المثال السابق، فانّ إعادة قراءة القوالب البدئية ممكنة تؤدّي إلى نسيان تمنّي طول العمر في يحيا الملِك! . و يمكننا أن نتساءل إذا كان أغلب أسماء الأفعال ليست أو لم تكن يوما مشتقّات نحتية صياغية لجمل تعجّبية دلالتها ت1 مفقودة تقريبا: ما يبقى من تلك الجمل هو عمل منجز بتلفظها هو وظيفة تلفظها.

   عندما تكون عبارة التعجب في صدارة الاشتقاق النحتي الصياغي، فانّ المرور من ع1 إلى ع2  يلوح سعيا من علامة ذات محتوى"أكثر موضوعية" إلى علامة ذات محتوى"أقل موضوعية".و لكن العكس هو الذي يقع عندما تكون عبارة التعجب عند الانطلاق(نوع من الاشتقاق اكتشفه بنوا دي كورنوليي(Benoît de Cornulier). هب أنّ شيطان! صوت تعجّب ع1 قيمته الدلالية ت1  وسم حيرة المتلفظ إزاء حدث "يتجاوزه". و من ع1 اشتُقّ حسب كورنوليي الاسم المنسوب شيطانيّ ع2 و مدلوله ت2 ذو هيئة أكثر "موضوعية". انه يشبه المكثّفات مثل عبقريّ، جنونيّ. و يمكننا أن نكشف هذا الفعل بوصف ت2 بالطريقة التالية: بتعديلنا اسما بواسطة شيطانيّ نُشعِر بأنّ الصفة المعبَّر عنها" تقتلع" من المتلفظ صوت التعجّب شيطان! فالعمل الشيطاني هو عمل شديد المكر بحيث لا يمكنني أن أمنع نفسي و أنا أقدّمه، من القول و النطق بـشيطان!

   فالأمر يظهر بوصفه منعوتا بواسطة الخطاب المقام حوله.

   فأن يكون المدلول المحدّد عبر الاشتقاق النحتي الصياغي سواء من مجال الهيئة أو الملكية، فانّه يُثبت نزوع اللسان إلى إدراج القيم المنتجة عبر الحدث التلفظي ضمن دلالاته. تتمثل إحدى مسائل علم الدلالة الراهن في تقرير ما إذا كان ثمة دلالات أولى ليس لها أصل معيّن، أو ما إذا كان المَقُول ليس دائما ضربا من بلورة القول. مهما كانت الإجابة، فانّه توجد في اللسان إحالات على التلفظ لفهم أنّ المتكلمين في الخطاب يشيرون بلا انقطاع في حدث كلامهم نفسه إلى أنّهم يتظاهرون و يتفاخرون أثناء الحديث و يسلسلون ملفوظات كلامهم لا فقط بالنسبة إلى المعلومات التي تنقلها و لكن أيضا بالنسبة إلى الوقائع التي تكوّنها.

 

 

*المصدر:

 

- أوزفالد ديكرو:التلفظ، فصل في دائرة المعارف الكونية الفرنسية، الجزء8، 1990، ص-ص.388-392.

Oswald Ducrot: Enonciation, article in Encyclopaedia Universalis, corpus, tome 8, Paris, 1990, p-p.388-392.

Enter supporting content here

هذا موقع صابر الحباشة