Make your own free website on Tripod.com

site de Saber Habacha

saber habacha articles
Home
semiotique
roman
rhetorique
critique litteraire
poetique
roman
dialogue
grammaire
semantique arabe
semantique
polysemie
cognition
langue arabe
linguistics
About Me
Favorite Links
Contact Me
My Resume
linguistique
see my articles

Enter subhead content here

                           تلوين الخطاب 

                  ا

                           تلوين الخطاب 

                  الأبعـاد التداولية في شروح التلخيص

                     (نموذج طريقة الدسوقي في الشرح)

صابر الحباشة

   لعله من اللافت[1] أن جميع ما اطلعنا عليه من إشارات المحدثين لكتب الشروح إنما كانت متجهة للحكم التقييمي ذي الرؤية السلبية مسبقا، إذ ليس واردا عند هؤلاء أن يتخذوا منهجا آنيا (سانكرونيا) بحيث يركّزون النظر على تلك الشروح شرحا شرحا في ضرب من التمحيص والبحث المونوغرافي، لعله بذلك تستقيم أهم أحكام مطابقة دون الأحكام العامة التي يسهل الطعن في انطباقها على مدوّنتها بصورة مطلقة، فهي تحتاج دائما للتنسيب والتعديل. ومن الخطأ في نظرنا المحاسبة قبل المدارسة، وهذا ما نستفيده من المنهجية العلمية، إذ لا يكفي تناقُل أحكام جاهزة للتشنيع على "الكسل المعرفي" المزعوم لأصحاب الشروح دون أن يقام الدليل على ذلك علميا وعمليا. ثم إن الانطلاق بأفكار تقصي المدوّنة من دائرة العلم- وإن كان ذلك مقبولا من إحدى الجهات- فإنه يضرّ بالنتائج المتوصل إليها. ولا يعني ذلك الذهاب إلى الجهة المناقضة وهي التسليم بعملية المدونة، فضرر هذه المسلمة كضرر المسلمة المناقضة لها.

   على أننا نشير إلى حكم شائع يتمثل في إمساك الباحثين بصورة عامة عن تتبع خصائص العلم في الكتب التعليمية، ويحتج هؤلاء بأن التنظير في مثل تلك المؤلفات محدود، والخلفيات المعرفية ضمنية، بحيث لا يتيسر تقصيها درسا ونقاشا. وهذا القول ظاهره صحيح. ولكنه قد يفهم منه ما لا يكون مستقيما دائما وهو أن هذه المؤلفات التعليمية –على غرار الشروح- هشة معرفيا. فإن كنا لا نطلب منها خلفياتها النظرية حيث توجد في غيرها، فلا يعني ذلك أنها غير مؤسسة معرفيا وأنها عارية من الأصول النظرية. فلو كانت كذلك لوجدنا بين كتب الشروح اختلافا كبيرا وتفاوتا عظيما، وهذا ما يشهد الباحثون بانعدامه وإن كانوا أوَّلوا غياب ذلك بضعف السليقة [2]وخبوّ روح الإبداع، والأولى أن يفهم على أساس التقيد بالمتن ("التلخيص") والاعتراف بجمعه ومنعه مما يستتبع الاكتفاء به متنا نظريا متينا، هذا فضلا عن انشغالهم باستعراض معارف تتعلق بالنحو والفقه والأصول من العلوم التي تعرض لها التلخيص عرضا أو لم يفعل. وكأنّ في هذا الصنيع تعويضا عن الابتكار في أصول الفنّ الأصلي أي البلاغة.

   طريقة الدسوقي في الشرح: كتب الدسوقي2 حاشية على شرح سعد الدين التفتازاني، ويتلخص منهجه في تتبع عبارات السعد[3] بالشرح والتفسير: فهو يفسرها كما هي، وأحيانا يتعرض للاختزال الوارد في كلام السعد مما يتطلب شرحه ذكر المفردات المختزلة والمحذوفة ليستقيم أمر الشرح. ويعمد الدسوقي في شرح كلام الشارح إلى بيان الوجوه الممكنة كلّما كان الموضع محل متعدد التآويل. أمّا فيما يتعلق بالشواهد، فإضافة إلى شرحه لها، فإنه يحققها وينسبها إلى قائليها في توسع دون أن يفوته التركيز على محل الشاهد وأحيانا يدفعه تحقيقه إلى الاستدراك على الشارح. ويذكر الدسوقي مراجعه في أحيان كثيرة (كذا في الأطول، كذا قرره شيخنا العدويّ، هذا ما في الفنريّ،...) ويعتمد شرح الدسوقي كثيرا على الصوتيات والصرف والنحو والبلاغة والمعجم في ضرب من التعمق والاستغراق.

   طريقة الاستدلال: يقوم نظام الاستدلال عند الرجل على جملة من الثوابت: المبادئ المنطقية، قول الواضع أي النظام اللغوي للعربية كما تُنُوقل سماعا. وطريقة تناول المسائل عند الدسوقي لا تقوم على العرض الأحادي بل على مناظرة الآراء ومواجهة ما يعرض من اعتراضات أو يعمد إلى العرض المستوفي لمختلف الوجوه الممكنة (لا يعني ذلك التبحر أنه أتى به ابتداء، بل طريقة التوسع فيما لمّح له السابقون أو أشاروا إليه، فهو قد أحسن التقاط الذبذبة التي يبث عليها السعد آراءه وتخريجاته (من ذلك التوسع في تأويل لفظ "مسرَّج" في إحدى أراجيز رؤبة بن العجاج، فقد نُسبت إلى السراج، أو إلى سُرَيْج. فقد بسط الدسوقي القول في القولين دون أن يخرج إلى ترجيح قول على آخر، ولعلّ مثل هذا الترجيح لم يكن من شواغله، أو لعلّه لا يندرج في سنن الشروح، فغاية الشرح في النهاية ليست تجاوزا للقول المشروح، بل إثراء لنظرة المشروح له كي يحتفظ للأصل بالتقدير اللازم والرعاية المستلزمة: ومن هنا كان الهدف التعليمي مرمى جليا وغاية بينة).

ولا يعني هذا التحديد لمنهج الدسوقي خلوّ عمله من لطيف التخريجات التي ربما كانت شخصية تفرّعت عنه كقوله:" قلت إن غاية ما اقتضته الضرورة الشعرية الجواز، والجواز لا ينافي انتفاء الفصاحة، لأنّ انتفاء الفصاحة لازم لكون الكلمة غير كثيرة الدور على ألسنة العرب العرباء لا لعدم جواز ما ارتكبه الشاعر ألا ترى أن الجرشى[4] حائز قطعا إلا أنه مخلّ بالفصاحة"[5].

   وموطن المفارقة الذي يتراءى لنا أن الدسوقي قد تجاوزه يتمثل في سحبه من الشعر سلطة إقرار اللفظ الفصيح من غيره. فحمل لفظ على الجواز الشعري يعني بالاستتباع انتفاء فصاحته. فاللفظ المستعمل جوازا شعريا هو بمثابة الرخصة الخاصة التي تعطي للشاعر في ذلك الموضع (خاصة في موضع القافية: "مسرَّج" لرؤبة و"الأجلل" لأبي النجم العجلي) ولا يسمح بها لغيره، لمفارقتها لشرط الفصاحة.

   فالنحويّ مُلزَم بتبرير قول الشاعر من جهة كونه أعلم الناس بمضايق التعبير ووجوهه وفروقه، وهو مجبر على "تسييج" الجواز وتحديده كيلا يشيع ما فيه انتفاء الفصاحة فيختلط الحابل بالنابل. من هنا كانت مهمة النحوي مزدوجة:

1/ الاحتجاج على إمكانية القول الشعري على تلك الشاكلة رغم عدم قياسيتها، استنادا إلى مقولة الجواز الشعري.

2/ منع امتداد ألسنة غير الشاعر إلى استعمال ذلك الوجه حماية لسنن واضع اللغة، وما تحتويه من قواعد مراعاة الفصاحة والقياس والسماع.

والتعليق على هذا الموضع من حاشية الدسوقي(ج1 ص89، الشاهد السابق) أدى بنا إلى استنتاج طريقة تعامل النحوي مع ظاهرة الجواز الشعري. وهذا التمشي يؤدي بنا إلى تبين التقاطع بين مختلف اهتمامات الشارح. دون أن نذهب إلى اعتبار الوجهة النحوية في هذا الشاهد ضربا من الاستطراد والخروج عن غاية الشرح. فضلا عن أنّ هذا الشاهد يمكّننا من تفنيد ما شاع عند بعض الباحثين من أنّ الفصل بين مباحث النحو ومباحث البلاغة قد أصبح جازما انطلاقا من السكاكي (ت: 626هـ) ولا سيما شراحه. فنصّ حاشية الدسوقي يؤكد تواصل التنافذ بين دائرة النحو والبلاغة، وهو تنافذ حيويّ، تجف - متى قُطع - جداولُ البلاغة ويسيطر عليها المنطق الصناعيّ[6] .

   وإنه بوسع المنقِّر عن موقف البلاغة القديمة من بعض طرائق الشعراء المحدثين في تصريف القول أن يجد ضالّته في مواضع من حاشية الدسوقي. فبعض المحدثين من الشعراء يُجري العطف بين مفردات لا يَحسُن بلاغيا الجمع بينها. وقد بيّن الدسوقي أن ذلك ليس بقادح في فصاحة المفردات، بل مثل ذلك الاستعمال يقوم على إخلال بالبلاغة. يقول: "فإذا لم تثقل الكلمات ولكن كانت معانيها غير متناسبة كسطل وقفل وسيف، إذا عُطفت، كان ذلك مخلاّ بالبلاغة لا بالفصاحة"[7] .

ويندرج هذا المثال في معنى "ضعف التأليف" لخروج الكلام "على القانون النحويّ المشهور بين النحاة"[8].

   كما يعمد الدسوقي في مواضع من حاشيته إلى التوسع في بعض الروايات كالخبر المَسُوق بمناسبة الاستشهاد بالبيت الذي أورده الجاحظ في "البيان والتبيين": وَقَبْرِ حَرِبٍ بِمَكَانٍ قَفْرِ/ وَلَيْسَ قُرْبَ قَبْرِ حَرْبٍ قَبْرُ[9]، ولمّا كان الخبر متعلقا بأهل الجاهلية يشارك فيه الجنّ، فقد أمسك الدسوقي عن التعليق عليه. إنّ الشرّاح البلاغيين يعتمدون "مجالا تداوليا" (هذا المصطلح لطه عبد الرحمن: انظر "تجديد المنهج في تقويم التراث"، المركز الثقافي العربي، بيروت- الدار البيضاء، 1998) مشتركا، يعسر على الباحث المعاصر أن يلمّ به إلماما دقيقا، فبعض منطلقاتهم مصرّح بها وكثير منها مضمّن أو أشير إليه بشكل تلميحيّ. وتمثّل الحاجات المعرفية التي أدت بالشرّاح إلى تصنيف شروحهم، أمرا بالغ الأهمية في تقويم تلك المصنّفات والحكم عليها. ولعلّ مَن جازف مِن الباحثين المعاصرين بإطلاق أحكام عامّة سلبية عليها، لم يصدُرْ عن تمثُّل حقيقيّ لتلك الحاجات المعرفية. كما أنّ رمْي السكاكي وأتباعه بتهمة تحجير البلاغة حُكْمٌ يحتاج إلى الإثبات ويفتقر إلى الاستدلال.

 

 

 

 

  



[1] عنوان المقال مركّب من جزأين: الأول "تلوين الخطاب" عبارة مقتبسة عن ابن قيم الجوزية (ت 751هـ) وردت في كتابه "الفوائد المشوق إلى علوم القرآن" (بيروت، منشورات دار ومكتبة الهلال، 1987، ص 22) وقد وجدت أنها عبارة صالحة لتدلّ على عمل البلاغة وعلى عمل دارس البلاغة في آن، فالتلوين يقوم به المتكلم المنجز لأثر قولي عبر الكلام،  كما يقوم به الدارس إذ يصف ذلك الإنشاء القولي. أما الثاني "الأبعاد التداولية في شروح التلخيص" (للقزويني، بعض أحوال المسند إليه نموذجا، من المعنى النحوي إلى المعنى التداولي) فعنوان شهادة دراسات معمقة في اللغة والآداب العربية ناقشتها بكلية الآداب بمنوبة (جامعة تونس ) في 18 يناير 2003 .

[2] الدسوقي (ت/1230هـ) وضع حاشية على شرح سعد الدين التفتازاني لتلخيص القزويني (ت/ 739هـ)

[3] السعد،هو سعد الدين التفتازاني (ت/ 771هـ).

[4] الجرشى: النفس، استعملها المتنبي في إحدى قصائده.

[5] شروح التلخيص: ج1 ص 89 .

[6] لا يفوتنا في هذا المقام أن نشير إلى وجه من وجوه وجاهة المنهج الذي اخترنا، ونعني المنهج التداولي نظرا لوثاقة اتصاله بالمتن البلاغي: "فعلى نظرية البلاغة ونظرية النحو والمنطق النقدي تنهض التداولية" محمد سويرتي: "اللغة ودلالاتها: تقريب تداولي للمصطلح البلاغي"، عالم الفكر، مج28، يناير- مارس، 2000، ص31. والباحثون يفرّقون بين منطق اللغة الطبيعيّ وعليه يقوم الخطاب البلاغي والمجازي ، والمنطق الصوري الرياضي وهنا نشير إلى استفادة النحو التوليدي من هنا المنطق الأخير وهذا يخرج عن إطارنا المرجعيّ النظريّ.

 

[7] شروح التلخيص: ج1 ص95 و100.

[8] شروح التلخيص: ج1 ص95 و100.

[9] شروح التلخيص: ج1 ص95 و100.

لأبعـاد التداولية في شروح التلخيص

                     (نموذج طريقة الدسوقي في الشرح)

صابر الحباشة

   لعله من اللافت[1] أن جميع ما اطلعنا عليه من إشارات المحدثين لكتب الشروح إنما كانت متجهة للحكم التقييمي ذي الرؤية السلبية مسبقا، إذ ليس واردا عند هؤلاء أن يتخذوا منهجا آنيا (سانكرونيا) بحيث يركّزون النظر على تلك الشروح شرحا شرحا في ضرب من التمحيص والبحث المونوغرافي، لعله بذلك تستقيم أهم أحكام مطابقة دون الأحكام العامة التي يسهل الطعن في انطباقها على مدوّنتها بصورة مطلقة، فهي تحتاج دائما للتنسيب والتعديل. ومن الخطأ في نظرنا المحاسبة قبل المدارسة، وهذا ما نستفيده من المنهجية العلمية، إذ لا يكفي تناقُل أحكام جاهزة للتشنيع على "الكسل المعرفي" المزعوم لأصحاب الشروح دون أن يقام الدليل على ذلك علميا وعمليا. ثم إن الانطلاق بأفكار تقصي المدوّنة من دائرة العلم- وإن كان ذلك مقبولا من إحدى الجهات- فإنه يضرّ بالنتائج المتوصل إليها. ولا يعني ذلك الذهاب إلى الجهة المناقضة وهي التسليم بعملية المدونة، فضرر هذه المسلمة كضرر المسلمة المناقضة لها.

   على أننا نشير إلى حكم شائع يتمثل في إمساك الباحثين بصورة عامة عن تتبع خصائص العلم في الكتب التعليمية، ويحتج هؤلاء بأن التنظير في مثل تلك المؤلفات محدود، والخلفيات المعرفية ضمنية، بحيث لا يتيسر تقصيها درسا ونقاشا. وهذا القول ظاهره صحيح. ولكنه قد يفهم منه ما لا يكون مستقيما دائما وهو أن هذه المؤلفات التعليمية –على غرار الشروح- هشة معرفيا. فإن كنا لا نطلب منها خلفياتها النظرية حيث توجد في غيرها، فلا يعني ذلك أنها غير مؤسسة معرفيا وأنها عارية من الأصول النظرية. فلو كانت كذلك لوجدنا بين كتب الشروح اختلافا كبيرا وتفاوتا عظيما، وهذا ما يشهد الباحثون بانعدامه وإن كانوا أوَّلوا غياب ذلك بضعف السليقة [2]وخبوّ روح الإبداع، والأولى أن يفهم على أساس التقيد بالمتن ("التلخيص") والاعتراف بجمعه ومنعه مما يستتبع الاكتفاء به متنا نظريا متينا، هذا فضلا عن انشغالهم باستعراض معارف تتعلق بالنحو والفقه والأصول من العلوم التي تعرض لها التلخيص عرضا أو لم يفعل. وكأنّ في هذا الصنيع تعويضا عن الابتكار في أصول الفنّ الأصلي أي البلاغة.

   طريقة الدسوقي في الشرح: كتب الدسوقي2 حاشية على شرح سعد الدين التفتازاني، ويتلخص منهجه في تتبع عبارات السعد[3] بالشرح والتفسير: فهو يفسرها كما هي، وأحيانا يتعرض للاختزال الوارد في كلام السعد مما يتطلب شرحه ذكر المفردات المختزلة والمحذوفة ليستقيم أمر الشرح. ويعمد الدسوقي في شرح كلام الشارح إلى بيان الوجوه الممكنة كلّما كان الموضع محل متعدد التآويل. أمّا فيما يتعلق بالشواهد، فإضافة إلى شرحه لها، فإنه يحققها وينسبها إلى قائليها في توسع دون أن يفوته التركيز على محل الشاهد وأحيانا يدفعه تحقيقه إلى الاستدراك على الشارح. ويذكر الدسوقي مراجعه في أحيان كثيرة (كذا في الأطول، كذا قرره شيخنا العدويّ، هذا ما في الفنريّ،...) ويعتمد شرح الدسوقي كثيرا على الصوتيات والصرف والنحو والبلاغة والمعجم في ضرب من التعمق والاستغراق.

   طريقة الاستدلال: يقوم نظام الاستدلال عند الرجل على جملة من الثوابت: المبادئ المنطقية، قول الواضع أي النظام اللغوي للعربية كما تُنُوقل سماعا. وطريقة تناول المسائل عند الدسوقي لا تقوم على العرض الأحادي بل على مناظرة الآراء ومواجهة ما يعرض من اعتراضات أو يعمد إلى العرض المستوفي لمختلف الوجوه الممكنة (لا يعني ذلك التبحر أنه أتى به ابتداء، بل طريقة التوسع فيما لمّح له السابقون أو أشاروا إليه، فهو قد أحسن التقاط الذبذبة التي يبث عليها السعد آراءه وتخريجاته (من ذلك التوسع في تأويل لفظ "مسرَّج" في إحدى أراجيز رؤبة بن العجاج، فقد نُسبت إلى السراج، أو إلى سُرَيْج. فقد بسط الدسوقي القول في القولين دون أن يخرج إلى ترجيح قول على آخر، ولعلّ مثل هذا الترجيح لم يكن من شواغله، أو لعلّه لا يندرج في سنن الشروح، فغاية الشرح في النهاية ليست تجاوزا للقول المشروح، بل إثراء لنظرة المشروح له كي يحتفظ للأصل بالتقدير اللازم والرعاية المستلزمة: ومن هنا كان الهدف التعليمي مرمى جليا وغاية بينة).

ولا يعني هذا التحديد لمنهج الدسوقي خلوّ عمله من لطيف التخريجات التي ربما كانت شخصية تفرّعت عنه كقوله:" قلت إن غاية ما اقتضته الضرورة الشعرية الجواز، والجواز لا ينافي انتفاء الفصاحة، لأنّ انتفاء الفصاحة لازم لكون الكلمة غير كثيرة الدور على ألسنة العرب العرباء لا لعدم جواز ما ارتكبه الشاعر ألا ترى أن الجرشى[4] حائز قطعا إلا أنه مخلّ بالفصاحة"[5].

   وموطن المفارقة الذي يتراءى لنا أن الدسوقي قد تجاوزه يتمثل في سحبه من الشعر سلطة إقرار اللفظ الفصيح من غيره. فحمل لفظ على الجواز الشعري يعني بالاستتباع انتفاء فصاحته. فاللفظ المستعمل جوازا شعريا هو بمثابة الرخصة الخاصة التي تعطي للشاعر في ذلك الموضع (خاصة في موضع القافية: "مسرَّج" لرؤبة و"الأجلل" لأبي النجم العجلي) ولا يسمح بها لغيره، لمفارقتها لشرط الفصاحة.

   فالنحويّ مُلزَم بتبرير قول الشاعر من جهة كونه أعلم الناس بمضايق التعبير ووجوهه وفروقه، وهو مجبر على "تسييج" الجواز وتحديده كيلا يشيع ما فيه انتفاء الفصاحة فيختلط الحابل بالنابل. من هنا كانت مهمة النحوي مزدوجة:

1/ الاحتجاج على إمكانية القول الشعري على تلك الشاكلة رغم عدم قياسيتها، استنادا إلى مقولة الجواز الشعري.

2/ منع امتداد ألسنة غير الشاعر إلى استعمال ذلك الوجه حماية لسنن واضع اللغة، وما تحتويه من قواعد مراعاة الفصاحة والقياس والسماع.

والتعليق على هذا الموضع من حاشية الدسوقي(ج1 ص89، الشاهد السابق) أدى بنا إلى استنتاج طريقة تعامل النحوي مع ظاهرة الجواز الشعري. وهذا التمشي يؤدي بنا إلى تبين التقاطع بين مختلف اهتمامات الشارح. دون أن نذهب إلى اعتبار الوجهة النحوية في هذا الشاهد ضربا من الاستطراد والخروج عن غاية الشرح. فضلا عن أنّ هذا الشاهد يمكّننا من تفنيد ما شاع عند بعض الباحثين من أنّ الفصل بين مباحث النحو ومباحث البلاغة قد أصبح جازما انطلاقا من السكاكي (ت: 626هـ) ولا سيما شراحه. فنصّ حاشية الدسوقي يؤكد تواصل التنافذ بين دائرة النحو والبلاغة، وهو تنافذ حيويّ، تجف - متى قُطع - جداولُ البلاغة ويسيطر عليها المنطق الصناعيّ[6] .

   وإنه بوسع المنقِّر عن موقف البلاغة القديمة من بعض طرائق الشعراء المحدثين في تصريف القول أن يجد ضالّته في مواضع من حاشية الدسوقي. فبعض المحدثين من الشعراء يُجري العطف بين مفردات لا يَحسُن بلاغيا الجمع بينها. وقد بيّن الدسوقي أن ذلك ليس بقادح في فصاحة المفردات، بل مثل ذلك الاستعمال يقوم على إخلال بالبلاغة. يقول: "فإذا لم تثقل الكلمات ولكن كانت معانيها غير متناسبة كسطل وقفل وسيف، إذا عُطفت، كان ذلك مخلاّ بالبلاغة لا بالفصاحة"[7] .

ويندرج هذا المثال في معنى "ضعف التأليف" لخروج الكلام "على القانون النحويّ المشهور بين النحاة"[8].

   كما يعمد الدسوقي في مواضع من حاشيته إلى التوسع في بعض الروايات كالخبر المَسُوق بمناسبة الاستشهاد بالبيت الذي أورده الجاحظ في "البيان والتبيين": وَقَبْرِ حَرِبٍ بِمَكَانٍ قَفْرِ/ وَلَيْسَ قُرْبَ قَبْرِ حَرْبٍ قَبْرُ[9]، ولمّا كان الخبر متعلقا بأهل الجاهلية يشارك فيه الجنّ، فقد أمسك الدسوقي عن التعليق عليه. إنّ الشرّاح البلاغيين يعتمدون "مجالا تداوليا" (هذا المصطلح لطه عبد الرحمن: انظر "تجديد المنهج في تقويم التراث"، المركز الثقافي العربي، بيروت- الدار البيضاء، 1998) مشتركا، يعسر على الباحث المعاصر أن يلمّ به إلماما دقيقا، فبعض منطلقاتهم مصرّح بها وكثير منها مضمّن أو أشير إليه بشكل تلميحيّ. وتمثّل الحاجات المعرفية التي أدت بالشرّاح إلى تصنيف شروحهم، أمرا بالغ الأهمية في تقويم تلك المصنّفات والحكم عليها. ولعلّ مَن جازف مِن الباحثين المعاصرين بإطلاق أحكام عامّة سلبية عليها، لم يصدُرْ عن تمثُّل حقيقيّ لتلك الحاجات المعرفية. كما أنّ رمْي السكاكي وأتباعه بتهمة تحجير البلاغة حُكْمٌ يحتاج إلى الإثبات ويفتقر إلى الاستدلال.

 

 

 

 

  



[1] عنوان المقال مركّب من جزأين: الأول "تلوين الخطاب" عبارة مقتبسة عن ابن قيم الجوزية (ت 751هـ) وردت في كتابه "الفوائد المشوق إلى علوم القرآن" (بيروت، منشورات دار ومكتبة الهلال، 1987، ص 22) وقد وجدت أنها عبارة صالحة لتدلّ على عمل البلاغة وعلى عمل دارس البلاغة في آن، فالتلوين يقوم به المتكلم المنجز لأثر قولي عبر الكلام،  كما يقوم به الدارس إذ يصف ذلك الإنشاء القولي. أما الثاني "الأبعاد التداولية في شروح التلخيص" (للقزويني، بعض أحوال المسند إليه نموذجا، من المعنى النحوي إلى المعنى التداولي) فعنوان شهادة دراسات معمقة في اللغة والآداب العربية ناقشتها بكلية الآداب بمنوبة (جامعة تونس ) في 18 يناير 2003 .

[2] الدسوقي (ت/1230هـ) وضع حاشية على شرح سعد الدين التفتازاني لتلخيص القزويني (ت/ 739هـ)

[3] السعد،هو سعد الدين التفتازاني (ت/ 771هـ).

[4] الجرشى: النفس، استعملها المتنبي في إحدى قصائده.

[5] شروح التلخيص: ج1 ص 89 .

[6] لا يفوتنا في هذا المقام أن نشير إلى وجه من وجوه وجاهة المنهج الذي اخترنا، ونعني المنهج التداولي نظرا لوثاقة اتصاله بالمتن البلاغي: "فعلى نظرية البلاغة ونظرية النحو والمنطق النقدي تنهض التداولية" محمد سويرتي: "اللغة ودلالاتها: تقريب تداولي للمصطلح البلاغي"، عالم الفكر، مج28، يناير- مارس، 2000، ص31. والباحثون يفرّقون بين منطق اللغة الطبيعيّ وعليه يقوم الخطاب البلاغي والمجازي ، والمنطق الصوري الرياضي وهنا نشير إلى استفادة النحو التوليدي من هنا المنطق الأخير وهذا يخرج عن إطارنا المرجعيّ النظريّ.

 

[7] شروح التلخيص: ج1 ص95 و100.

[8] شروح التلخيص: ج1 ص95 و100.

[9] شروح التلخيص: ج1 ص95 و100.

Enter content here

Enter supporting content here

هذا موقع صابر الحباشة