Make your own free website on Tripod.com

site de Saber Habacha

polysemie
Home | semiotique | roman | rhetorique | critique litteraire | poetique | roman | dialogue | grammaire | semantique arabe | semantique | polysemie | cognition | langue arabe | linguistics | About Me | Favorite Links | Contact Me | My Resume | linguistique | see my articles

دراسات في العلوم الدلالية

المشترك اللفظيّ  في الدراسات العربية المعاصرة

*صابر الحباشة

 

 

 

·         تمهيد:

   ما المشترك؟ هذا سؤال على قدر سذاجته الظاهرة فإنّه يقيّد المجيب عنه بشروط تجعل الحدّ دليلا على الإجراء والمفهومَ محيطا بالتطبيق. ولعلّ تعريف المشترك في بعض المعاجم المختصّة يكون مدخلا بسيطا للاقتراب منه، فقد جاء في تعريفات الجرجانيّ أنّ"المشترك [هو] ما وضع لمعنى كثير بوضع كثير كالعين لاشتراكه بين المعاني ومعنى الكثرة ما يقابل القلّة فيدخل فيه المشترك بين المعنيين فقط كالقرء والشفق فيكون مشتركا بالنسبة إلى الجميع ومجملا بالنسبة إلى كلّ واحد فيكون مشتركا بالنسبة إلى الجميع ومجملا بالنسبة إلى كل واحد والاشتراك بين الشيئين إن كان بالنوع يسمّى مماثلة كاشتراك زيد وعمرو في الإنسانية وإن كان بالجنس يسمّى مجانسة كاشتراك إنسان وفرس في الحيوانية وإن كان بالعرَض إن كان في الكمّ يسمّى مادّة كاشتراك ذراع من خشب وذراع من ثوب في الطول وغن كان في الكيف يسمّى مشابهة كاشتراك الإنسان والحجر في السواد وإن كان بالمضاف يسمّى مناسبة كاشتراك زيد وعمرو في بنوّة بكر وإن كان بالشكل يسمّى مشاكلة كاشتراك الأرض والهواء في الكريّة وإن كان بالوضع المخصوص ويسمّى موازنة وهو ألاّ يختلف البعد بينهما كسطح كلّ فلَك وإن كان بالأطراف يسمّى مطابقة كاشتراك الإجّانتين في الأطراف"(1) [الإجّانة: الخشبة التي يدقّ بها القصّار].

   فهذا التعريف الموسّع للمشترك يحتاج من الباحث في علم الدلالة وقفة تأمّل:

إذ الجاري في العرف أنّ المعنى الذي يتبادر إلى الذهن عند الحديث عن المشترك هو ما يؤدّيه التمثيل بلفظة العين والقرء، فاللفظ واحد والمعاني كثيرة، وهذا الحدّ هو الذي جعل الاشتراك مقابلا ضدّيّا للترادف، يقول الجرجاني:"المترادف هو ما كان معناه واحدا وأسماؤه كثيرة وهو ضدّ المشترك"(2). أمّا التشقيقات التي جاء بها حدّ المشترك عند السيد الجرجاني وتواترت في الموسوعات الكبرى نحو"كشّاف اصطلاحات الفنون" للتهانوي، فقد تفيد من زاوية النظر الدلالية المنطقية أمّا من منظورنا اللساني الدلاليّ فلا نعتمدها إلاّ من باب الاستئناس.

   فإذا تقرّر أنّ المشترك نقيض الترادف، تبيّن لنا أهمّية ما عوّل عليه بعض الباحثين المعاصرين من ربط اللفظة القائمة على المشترك بـ"فضاء دلاليّ" بحيث يكون معنى الوحدة القائمة على المشترك حصيلة تفاعل دلالي مع الملفوظات الواردة معها في السياق ذاته(3).   

   لئن تعرّضت كثير من الكتب لقضية المشترك اللفظيّ في العربية قديما و حديثا فإنّها مع ذلك لم تضع في اهتماماتها طرح الأسئلة الأساسية –في نظرنا- من ذلك: كيف ترتبط الوحدات المعجمية المندرجة ضمن المشترك اللفظي فيما بينها؟ و ما هو القانون الضابط لانتظامها؟   و لماذا يختلف عدد "الكلمات" القائمة على المشترك من وحدة إلى أخرى؟ و ما الذي يميّز المشترك اللفظي عن ظواهر قد تلتبس بها نحو الجناس التامّّ و التورية و الاقتراض المعجميّ و الاستعارة و المجاز؟ و هل نكتفي بتصنيف هذه الظواهر بحسب انتمائها إلى اختصاصات معرفية مختلفة، فنقول أمّا الجناس                و التورية و الاستعارة و المجاز المرسل، فمن البلاغة و أمّا المشترك اللفظيّ  و الاقتراض المعجميّ فمِن المعجم(علم "متن اللغة"). فهذه الإجابة لا تشفي غليل المجتهد في فهم المسائل و إن اكتفى بها المقتصِد بُلْغَةً.

   غير أنّ الأسئلة السابقة تفتح على الباحث باب أخذ نماذج من الإجابات لا نعثر عليها في المصنفات التراثية أو المُحدثة باللسان العربي –إلا أشتاتا يسيرة أو حدوسا متفرّقة- بل يقتبسها المقتبس من مظانّها في الكتب اللسانية الغربية التي اعتنت بالمشترك اللفظي عناية واضحة(4)بل لعلّ الباحث يجد مشقّة في تبيّن الكثرة الكاثرة من النظريات التي تقدّم مقترحات لفحص هذه الظاهرة، فضلا عن العمليات الإجرائية التي تطبّق ما تجيء به النظرية، على اللّغات الحيّة.

   أمّا مناط المشقّة، فلا يقتصر على الناحية الكمّيّة بل يتعلّق أيضا بالناحية الكيفية: فلعلّ الباحث لا يقف على المنوال الأحسن من حيث الكفاية التفسيرية لمعالجة المشترك اللفظي في اللغة العربية. إذ لا نرى أنّ معاناة التطبيق –رغم أهميتها- تكفي لتعليل وجاهة نظرية أو منوال دون غيره.

   و ثمّة صعوبة أخرى تخصّ مقاربة المشترك اللفظي: هل يحسن أن يعدّه الباحث مسألة معجمية صرفة أم يحتاج إلى أن يأخذ بعين الاعتبار امتداداته التركيبية-السياقية؟ أي بعبارة أخرى: هل تدرس الوحدة اللغوية القائمة على المشترك معزولة عن الجملة و النص أم تتناول بالدرس في سياقيها التركيبي و الخِطابي؟

 

 

·         أهداف البحث

   نحاول الوقوف على مفهوم المشترك اللفظي في التراث النحويّ    و بيان أسس تعامل النحاة و اللغويين القدامى معه. كما نحاول تبيّن إمكانيات تجديد النظر في هذه الظاهرة عبر الاستفادة من المقاربات اللسانية المعاصرة من خلال تلمّس مسالك حديثة لتطوير فهم الظاهرة و ذلك بربطها بنظريات لسانية معاصرة رصدت للمشترك اللفظي حيّزا من الأهمّية و قدرا من الاهتمام.

   فمحاولتنا تنهض من وجه أول على وصف حصيلة المنظور التراثي للمشترك اللفظيّ و يقوم على توجيه النظر إلى إمكانيات تحسين معالجة هذه الظاهرة على ضوء مقترحات التيارات الحديثة في اللسانيات، من وجه ثان. و يقوم العمل على تخليص "المشترك اللفظي" من رواسب الآراء "غير العلمية" (بمفهومنا الحديث للعلم) التي تلصق بالظاهرة اعتبارات تتجاوز الحقل المعرفي إلى الخلفية الإيديولوجية(على ما نقرّ به من تدافع بين الأمرين لا يخفى)، من وجه ثالث.

   كما يقوم العمل بتبني بعض النظريات اللسانية الحديثة بشرط تعديلها كي توافق نظام اللسان العربي و ما ينهض عليه معجمه و إعرابه و دلالته من "خصوصية" لا نغالي في تقديرها بقدر ما لا نسرف في إنكارها.

 

·         صعوبات العمل

   اعترضتنا بعض الصعوبات المتصلة بهذه المقاربة لعل أهمها مكابدة النصوص الأجنبية لتبين المرتكزات النظرية و التطبيقية التي تقوم عليها النظريات اللسانية الحديثة التي اهتمت بالمشترك اللفظي.      و هذه المكابدة تتمثل في قلق الباحث و حيرته هل يتقمص النظرية و ما فهمها إلا بعد لأي، أم يعدّلها(أو قد "يشوّهها"-ربما-) كي توافق نظام اللسان العربي. و لم يقرّ القرار على أن تكون لنا الخيرة في ذلك حتى وقرت في النفس جملةٌ من المعايير حكّمناها في النظريات طرّا و ألزمنا بها جميع تصرفاتنا حتى تستقيم "قناة" البحث صلبة واضحة.

   و من الصعوبات الأخرى، تشتت المداخل و كثرة المجالات التي تحتضن المشترك اللفظي احتضان "الانتماء"أو "الولاء" أو "التبنّي". و الحق أن الحسم في غض الطرف عن جداول مفيدة في تبين علاقات المشترك الدلالية و العلمية بمختلف فروع المعرفة، أمر مؤسف، غير أن الحاجة إلى التعمق فرضت علينا تشذيب الروافد و تقليص التفرعات كيلا ينشعب النظر ولا تتفرّق بنا السبل.

 

   *أقسام العمل

يمكن تقسيم العمل وفق المزاوجة المقصودة بين المقاربة التاريخية و المقاربة الآنية. إذ نتناول المشترك اللفظي في إطار النظرية التراثية ثم في إطار النظرية اللسانية و العرفانية المعاصرة، لنتبين العناصر الثابتة في معالجة الظاهرة و العناصر المتغيرة التي تختلف باختلاف السياق المعرفي و الحضاري. كما نعمد إلى تبين قضية المشترك اللفظي بمعزل عن غيرها من قضايا المعجم و الدلالة لنفهم الآليات الخاصة التي تحكم انتظامها والعلاقات الداخلية التي تميزها وتسمح لها بتحقيق التفرد والسريان في كل لسان تقريبا: بمعنى أن المشترك اللفظي يبقى أمرا مخصوصا ذا ضوابط محددة لا يطوله التهميش، رغم ما قد يطرحه حضوره من حرج الإغماض وقلق إحداث الالتباس، كما انه يظل مشتركا شائعا بين الألسن رغم ما يدعيه بعض القائلين باندراج هذه المسألة في باب "شجاعة العربية" أو "الإعجاز القرآني" وهي أطروحات إلى التمجيد و"الأدلجة" أميل منها إلى العلم، ما لم يأت أصحابها بحجج دوامغ تعلّل دعوى اختصاص العربية بفضل تبحّر في هذه الظاهرة، واعتبار النصّ القرآني أجمع ما يكون على هذه المسألة.

   والرأي عندنا أن الحسم عسير في هذا الباب، يتخوف من اقتحامه الجسور، لما قد يُرمى به من رقّة الدين أو اتباع سمت مدعي إزالة القداسة عن النص المقدس. غير أن الإنصاف يقتضي، بذل الوسع في ترجيح أحد الأمرين:

   إمّا القول- كما يقول أكثر السلف والباحثين العرب المحدثين الناقلين الوارثين- بأنّ العربية تشتمل على ظاهرة المشترك اللفظيّ اشتمالا لا تدانيها فيه لغة وما ذلك إلا لأنّ المشترك من أنواع الإعجاز القرآني، فالذي ينكر هذا الأمر يحشر ضمن المخالف الذي لا يوافق إجماع العلماء على هذه المسألة.

   وإما اعتبار "المشترك اللفظي" ظاهرة طبيعية تتنزل في إطار اللسان الطبيعي، ولها أسبابها الموضوعية التي تحكم نشأتها وتسير تناول الناس لها بمعزل عن الخلفيات الدينية أو الإيديولوجية التي توظف المعرفة اللغوية لتحقيق مقصد تأثيري، هو في هذا السياق القول بالإعجاز.

   ولعلّ المنظور الثاني، يسعفنا بتجنّب الخوض في المسألة الشائكة المتعلّقة بقانون التأويل، فإذا كان "القرآن حمّالا ذا وجوه"(5) فهل يعني ذلك فسح المجال لكلّ مذهب ولكلّ نِحْلة أن تجد لها"مقعد صدق" أو تثبت وجودها ووجاهة تأويلها للوجود، على أساس تأويل تختلف المسافة بينه وبين منطوق النصّ ومفهومه. وإذا كان إثباتُ الإعجاز الغايةَ المقصدَ بمبحث المشترك اللفظيّ أم مبحث الوجوه والنظائر كما جرت عليه مصنّفات علوم القرآن، فأيّ وجاهة لتجديد النظر في هذا المبحث، إذا انطلق الباحث من المنطلقات التراثية ذاتها؟ والسؤال الأعسر من ذلك، كيف يتحلّل الباحث اليوم من تلك المسلّمات الإيمانية،[التي يظنّ العلم الحديث أنّها تحول دون موضوعية البحث في الظاهرة] دون أن يُحدث شرخا في المنظومة المعرفية التي تقع فيها ظاهرة المشترك؟

فهل يمكن للباحث أن يخلّص المشترك اللفظي من استتباعاته الإعجازية، ومع ذلك لا يحكم عليه بالتجنّي وإعمال الموضوعية في غير موضعها؟

   لو كنّا في سياق معرفيّ آخر، لبدت الأسئلة المطروحة أعلاه متجاوَزة بائدة غير ذات أساس، أمّا وقد اعترف الجمهور بأنّنا "حضارة نصّ"، فقد كان لزاما أن يتمنطق الباحث بهذه الأسئلة ويتوخى كلّ سبيل لتوجيه آلة البحث حيث ينبغي لها أن تسير.

   ولمّا كان من أهدافنا أن نجرّب الخوض في لغة العرب بمناهج لسانية معرفية ذهنية(approche linguistique cognitive) اصطنعها وارتضاها غيرهم في غير لغة العرب، فقد حاولنا أن نتوسّل طريقة مقارنية تفصيلية راجعنا بها معالجة بعض النماذج من الكلمات القائمة على المشترك ونقلنا النظر من اللغة الغربية إلى اللسان العربي متبيّنين نقاط الالتقاء ونقاط الاختلاف في المقاربتين، زاعمين الوقوف على علامات تهدي الناظر إلى الجوامع المشتركة: القوانين الكلية العامة (les universaux)، والتصرفات الخصوصية التي تسم كل لغةٍ لغةٍ في معالجة هذه الظاهرة.

   ولم نُفْرِطْ في اعتماد المناويل الغربية كيلا نُتَّهم برطانة المستعجمين كما لم نولع بردّ محدثهم إلى تالدنا ردّا حماسيا باردا لا يسنده برهان ولا تنهض به حجّة، بل حسبنا أن نعاين النماذج التطبيقية لحالات المشترك اللفظي معاينة مستبصرة تأخذ بمجامع النظريات ولا تتحيّز إلاّ لأكثرها صلابة في التفسير وأغزرها عمقا في التحليل وأحسنها موردا في الاستنتاج.   

   كما نهض العمل بعرض جهود القدامى والمحدثين في رصد المشترك اللفظي وتحليله وتفسيره وبيّنّا أسس المنهج الذي اتّبعوه في أعمالهم ورددنا الكثرة إلى مبادئ كلّية معدودة تفسّر التشابه العظيم الذي تقوم عليه مصنّفات هذا الباب. كما أشرنا إلى وقوع أغلب الباحثين العرب المحدثين أسرى نظرة تقليدية نمطية، رغم ما يوهم به عرضهم لبعض الآراء اللسانية الغربية الحديثة، من جدّة أو تطوير، بقيا في حيز الممكن لا في واقع المنجز.ولعلّ ما توهّمناه من خانات فارغة، سنحاول تعميره- قدر المستطاع- لنسدّ خلّة ونرأب صدعا بدا لنا في مقاربة المحدثين لظاهرة المشترك اللفظي.

   ولعلّ مردّ الخلل الأساسيّ- فيما نحدس- يقوم على النظر إلى اللغة باعتبارها كائنا متعاليا لا بوصفها مؤسسة اجتماعية محايثة. فالباحثون العرب المحدثون قلّما أشاروا إلى توقّف الجهود المعجمية واللسانية عند حدود تحقيق الرصيد القديم ودرسه وتقديمه دون مدّ النظر للعربية اليوم، هل تولّدت فيها حالات جديدة من المشترك؟ وهل يمكن صناعة معجم يوثّق ما يوجد من مشترك في المعجم الذهني المعاصر؟ وهل إنّ طرائق تولّد المشترك اليوم موازية أو مشابهة أو مغايرة لتولد المشترك قديما؟ أي هل إنّ وحدة الظاهرة- متى سلّمنا بذلك- قد تتحقّق رغم تفرّق أسباب حصولها؟ فضلا عن التداخل الذي يقوم في المعجم بين ما هو من قبيل الأسلوب الفردي (الكلام) وما هو منتمٍ إلى النظام الوضعيّ (اللسان)، هل يُسهم التحاور بين المستويين في إثراء التدافع الدلاليّ الذي ينشئه المشترك اللفظيّ؟

   لقد تبيّن لنا في هذا العصر أنّ طرائق تولّد المفردات لا تخضع لنحو سيبويه المعقّد بل تحكمها حاجات مقامية مخصوصة لتحقيق التواصل والتفاهم بين المتخاطبين، ممّا يجعل نحو اللغة النموذجية/ المعيارية متقلّص التأثير سواء في توليد المفردات أو في تفسير بروزها (نعني المفردات القائمة على المشترك)، ومن ثمة، تلوح الحاجة أكيدة إلى توسيع النحو ليستوعب إجراءات توليدية- قد لا تنتمي إلى صميمه- حتى يسيطر على "إمبراطورية"(6) المعنى.

   وإذا نظرنا إلى مسألة الاشتراك اللفظي في بعدها الحضاري، تبيّن لنا أنّ التقدم الصناعي الغربي قد فرض علينا ضربا من التحدّي (لا فقط التكنولوجي والعلمي بل اللغويّ أيضا) من ذلك أنّ بعض علماء الاجتماع يتحدّثون عن وقوعنا تحت طائلة "تخلّف لغويّ" (يؤثّر نفسيّا واجتماعيّا في سلوكنا وتعاملنا مع ذواتنا ومع الأشياء ومع العالم، إضافة إلى وقوعنا تحت طائلة الازدواج اللساني القسري، ومتى رفضنا ذلك انحشرنا ضمن انغلاق وتقوقع يُفضي إلى الوقوع في براثن المفارقة بين التمتّع بالرفاه الماديّ وعدم استيعاب أسراره ولغته) ولعلّ ما نذهب إليه في تحليل هذه الصفة يمكن عرضه كما يلي: من ينتج الشيء له أحقّية تسميته، فإذا اشتريت منه ذلك الشيء، فأنت بين أن تهجّنه بأن تولد له في لغتك اسما تصطلح عليه المجامع الغريبة البعيدة غالبا عن واقع الاستعمال الحيوي (لأسباب عديدة ليس هذا مجال عرضها) أو يفشو بين الناس أو أن تستورد مع الشيء اسمَه كما هو أو تعوّضه بمخارج صوتية أكثر مماثلة لقياس اللغة العربية ومثال ذلك أنّه وُضع لتعريب الكلمة الأجنبية( télévision ) عدد من  المقترحات العربية والمعرّبة والدخيلة: مِرْناة، إذاعة مرئية، تلفاز، تلفزيون... فالناظر في هذا المثال يحسّ الفوضى من المترادفات التي تفرز تضخّما لغويا لا يعكس توسّعا في الاستعمال وحرّية في الإحداث بقدر ما يؤشّر على ضعف التنسيق وتحكيم الأهواء في الاقتباس أو التوليد. والملاحظ أنّ المقترحات الصفوية (المرناة) هي أبعد المقترحات عن الاستعمال والانتشار (والأدهى أنّها تُهجر حتّى من قبل واضعيها، هذا إذا لم تعد محلّ تندّر وفكاهة أو استعراض عضلات أو بيان تخلّف العرب والعربية بالاستتباع وتشتّت جهودهم).

   فكأنّ مرناة وإذاعة مرئية وتلفاز وتلفزيون دوالّ لمدلول واحد ولمرجع واحد، فقلق التسمية لا يؤلّف بين تلك المفردات شبكة من الألفاظ المشتركة، بقدر ما ينطق عن تباين آليات التوليد:

  *مرناة: فعل رنى+ وزن مفعال= اسم آلة.

  نظريا يبدو هذا المقترح أنزع المقترحات إلى الاستجابة إلى روح العربية، غير أنّه أضعف المقترحات عن جمع الناس حوله.

  *إذاعة مرئية: مركّب نعتي يوحي بالتوازي مع الإذاعة المسموعة ويوحي أيضا بالرغبة في التقريب، بما يبين غربة الآلة عن السياق الذي تولّد فيه المصطلح.

  *تلفاز: جذر دخيل (ت/ل/ف/ز)+ وزن فعلال= مقترح يوحي بالاجتهاد في المواءمة بين الأصل الأعجمي ومقتضيات النحو العربي، يراعي القدرة على التصريف والاشتقاق والجمع.

  *تلفزيون: دخيل، ومع ذلك فهو أكثر المقترحات ذيوعا وأشدها انتشارا بين الناس.

   ولعلّ مصدر المحدث أو توليد المصطلح يفسّر إمّا سرعة قبول المقترح أو ذبوله ووأده في المهد، فضلا عن جملة من عوامل أخرى- ليس المقام مقام تفصيل لها.

   ولعلّ من أسباب تكاثُف المشترك في العربية المعاصرة أنّ العرب لا تعرف المفهوم ولا المرجع أثناء مخاض الولادة والإبداع، بل تصطدم به جاهزا، فتُهرع إلى التصدي إلى "خطره" عبر وضع المصطلح. وشتّان بين احتضان المفهوم وبين وضع المصطلح: بل إنّ الأمرين ينبغي أن يتكاملا ويقع التنسيق بينهما لا أن يتمّ بترُ الصلة بينهما.

 

   *الاشتراك اللفظي في دراسات المحدثين:(محمد نور الدين المنجد)

   عرض الباحث محمد نور الدين المنجد في كتابه "الاشتراك اللفظي في القرآن الكريم، بين النظرية والتطبيق" (دمشق، دار الفكر، 1998) إلى الاشتراك اللفظي في جهود السابقين مقسما إيّاهم حسب اختصاصاتهم المعرفية: لغويين وأصوليين ومناطقة وعلماء في علوم القرآن.

   فأمّا اللغويون، فقد ذكر الباحث أنّ سيبويه (ت.180هـ) هو أوّل من ذكر المشترك في تقسيمات الكلام، إذ قال في كتابه: "اعلم أنّ من كلامهم اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين واختلاف اللفظين والمعنى واحد واتفاق اللفظين واختلاف المعنيين... واتفاق اللفظين والمعنى مختلف، قولك: وجدت عليه من الموجدة ووجدت إذا أردت وجدان الضالّة "وأشباه هذا كثير" ("الكتاب"1/ 7-8) واكتفى سيبويه بهذه الإشارة على المشترك من غير تعقيد أو تنظير للمصطلح" (ص29).

   وتعرض الباحث إلى جهد لغويّ آخر لاحق هو ابن فارس (ت.395هـ) الذي ذكر المشترك في باب أجناس الكلام [...]فقال: "ومنه اتفاق اللفظ واختلاف المعنى، كقولنا: عين الماء، وعين المال، وعين الركبة، وعين الميزان..."(الصاحبي، ص.327) وأفرد بابا في كتابه عرف فيه المشترك "معنى الاشتراك: أن تكون اللفظة محتملة لمعنيين أو أكثر كقوله (فليلقه)مشترك بين الخبر وبين الأمر، كأنه قال: فاقد فيه في اليم يلقه اليم. ومحتمل أن يكون اليم أمر بإلقائه... ومن الباب قوله :"ذرني ومن خلقت وحيدا" [المدثر:11] فهذا مشترك محتمل أن يكون لله جلّ ثناؤه لأنّه انفرد بخلقه ومحتمل أن يكون: خلقه وحيدا فريدا من ماله وولده" (الصاحبي،ص.456).

   ويشير الباحث إلى توسع ابن فارس في مفهوم الاشتراك إذ خرج به من إطار الألفاظ إلى مجال البنى التركيبية فالمثال الأوّل (من سورة طه) الاشتراك حاصل بين أسلوبي الخبر والأمر والثاني (من سورة المدثر) جرى الاشتراك بين تركيب الحال من الفاعل والحال من المفعول.(ص.30)

   وبين الباحث اختلاف آراء القدماء في وقوع المشترك فتراوحت بين إثبات المشترك ونفيه واختلفت بين حصره وتوسيعه.

   فابن جنّي يثبت الاشتراك للحروف والأسماء والأفعال، يقول "من"و"ولا" و"إن" ونحو ذلك، لم يقتصر بها على معنى واحد، لأنّها حروف وقعت مشتركة كما وقعت الأسماء مشتركة نحو الصدى، فإنّه ما يعارض الصوت وهو بدن الميّت وهو طائر يخرج فيما يدّعون من رأس القتيل إذا لم يؤخذ بثأره وهو أيضا الرجل الجيّد الرعية للمال في قولهم: هو صدى مال... ونحوه ممّا اتفق لفظه واختلف معناه، وكما وقعت الأفعال المشتركة، نحو وجدت في الحزن ووجدت في الغضب ووجدت في الغنى ووجدت في الضالة ووجدت بمعنى علمت ونحو ذلك، فكذلك جاء نحو هذا في الحروف"[الخصائص3/ 112-113].

   ولمّا كان الباحث لا يميّز بين النحاة والمعجميين، جامعا إيّاهم باعتبار أنّ ما ينتجونه "كتب اللغة" سواء أكانت كتبا نحوية أو معاجمَ، فقد أبرز أنّ الفيروزآبادي صاحب "القاموس المحيط" ومثله الزبيدي صاحب "تاج العروس" على التوسّع في باب المشترك، "فرووا أنّ لكلمة (الحوب) مثلا ثلاثين معنى، وأن لكلمة (العجوز) سبعة وسبعين معنى ذكرها صاحب القاموس واستدرك عليه صاحب التاج بضعة وعشرين معنى لم يذكرها الفيروزآبادي" (ص.31).

   غير أنّ طائفة أخرى من اللغويين قد أنكرت المشترك نحو ابن درستويه (ت.347هـ) "الذي ضيّق مفهوم المشترك وأخرج منه كلّ ما يمكن ردّ معانيه إلى معنى عامّ يجمعها، جاء عنه في "المزهر" [للسيوطي (ت.911هـ)]: "قال ابن درستويه في شرح الفصيح- وقد ذكر لفظة (وجد) واختلاف معانيها- هذه اللفظة من أقوى حجج من يزعم أنّ من كلام العرب ما يتفق لفظة ويختلف معناه، لأنّ سيبويه ذكره في أوّل كتابه، وجعله من الأصول المتقدّمة، فظنّ من لم يتأمّل المعاني ولم يتحقّق الحقائق أنّ هذا لفظ واحد قد جاء لمعان مختلفة، وإّنما هذه المعاني كلّها شيء واحد، وهو إصابة الشيء خيرا كان أو شرّا، ولكن فرّقوا بين المصادر، لأنّ المفعولات كانت مختلفة"، ويقول أيضا:"فإذا اتفق البناءان في الكلمة والحروف ثم جاءا لمعنيين مختلفين، لم يكن بد من رجوعهما إلى معنى واحد يشتركان فيه فيصيران متّفقي اللفظ والمعنى"" (ص.331-32) ويعلّق الباحث على تصورات ابن درستويه للمشترك فيعتبر أنه "ملمح جديد في معالم المشترك [...] ألا وهو المعنى العام الذي يستغرق أبعاضه، فكان ابن درستويه يردّ المعاني المختلفة إلى أصل واحد يضمّ تلك الفروع ويعتمد عليه في إنكار المشترك".(ص.32).

   أمّا سبب رفض ابن درستويه للاشتراك فلأنّه يرى "أنّ اللغة موضوعة للإبانة، والاشتراك تعمية تتنافى مع هذا الغرض، يقول:"فلو جاز وضع لفظ واحد للدلالة على معنيين مختلفين أو أحدهما ضد الآخر، لما كان ذلك إبانة، بل تعمية وتغطية" [المزهر1/ 385]، ومع ذلك فإن ابن درستويه يقول بالقليل من المشترك فيستدرك قائلا: "ولكن يجيء الشيء النادر من هذا لعلل" [نفسه] وعلل النادر عنده تتمثل في تداخل اللهجات أو الحذف والاختصار، يقول:"وإنما يجيء ذلك في لغتين متباينتين أو لحذف واختصار وقع في الكلام حتى اشتبه اللفظان وخفي سبب ذلك على السامع وتأوّل فيه الخطأ"[نفسه] .

   ويتابع أبو هلال العسكري (ت.395هـ) مذهب سابقه [ابن درستويه]، يقول أبو هلال: "وقال بعض النحويين: لا يجوز أن يدلّ اللفظ الواحد على معنيين مختلفين حتى تضاف علامة لكلّ واحد منهما، فإن لم يكن فيه لذلك علامة أشكل وألبس على المخاطب وليس من الحكمة وضع الأدلة المشكلة إلاّ أن يدفع إلى ذلك ضرورة أو علة، ولا يجيء في الكلام غير ذلك إلاّ ما شذّ وقلّ"[الفروق في اللغة، ص.14].

   وقد أقام ابن درستويه والعسكريّ رفضهما للاشتراك على أساس القول بالتوقيف، معتمدين على تفسير ظاهري للآية "وعلّم آدم الأسماء كلّها" [البقرة، الآية31] والحال أنّ ابن جنّي [القائل بالاصطلاح على الأرجح] ذهب إلى أنّ المقصود إقدار آدم على صناعة اللغة والاصطلاح عليها.

   وقد أنكر أبو علي الفارسي(ت.377هـ) "أن يكون المشترك أصيلا في الوضع اللغوي، وعلل وجوده بتداخل اللهجات والاستعارة، ويقول: "اتفاق اللفظين واختلاف المعنيين ينبغي ألا يكون قصدا في الوضع ولا أصلا، ولكنه من لغات تداخلت أو تكون كل لفظة تستعمل بمعنى ثم تستعار لشيء فتكثر وتغلب، فتصير بمنزلة الأصل"[المخصص، ج.13،ص.259]" (ص.34)

   ثم نظر الباحث محمد نور الدين المنجد في الأسباب التي علّل بها القدماء حدوث الاشتراك، فبيّن أنّ الأسباب الجوهرية في حدوث المشترك اللفظي تتمثل في "تداخل اللهجات والاستعارة(7) والحذف والتطوّر الدلالي الذي يلحق المعنى العامّ للّفظ فيصرفه إلى معان أخرى تنطوي على شيء من ذلك المعنى العامّ الذي ينتظم في تلك المعاني، وتختلف بعد ذلك في دلالتها الخاصة بما لا يخرج من ذلك المعنى الشامل"(ص.34).

  "ويضيف ابن فارس[...] سببا آخر [...] ألا وهو المجاورة والسببية: "قال علماؤنا: العرب تسمي الشيء باسم الشيء إذا كان مجاورا له أو كان منه بسبب ومن ذلك تسميتهم السحاب ماء والمطر سماء وتجاوزوا ذلك إلى أن سموا النبت سماء، قال شاعرهم: [الوافر]

إذا نزل السماء بأرض قوم * رعيناه و إن كانوا غضابا

   وذكر ناس أنّ من هذا الباب قوله جلّ ثناؤه:"وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج" [الزُّمَر:6]، يعني:خلق، وإنّما جاز أن يقول: أنزل، لأنّ الأنعام لا تقوم إلاّ بالنبات والنبات لا يقوم إلا بالماء، والله جلّ ثناؤه ينزل الماء من السماء. قال:ومثله:"يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يُواري سوآتكم وريشا" [الأعراف:26]، وهو جل ثناؤه إنّما أنزل الماء، لكن اللباس من القطن والقطن لا يكون إلا بالماء" [الصاحبي،110-111].

   غير أن القدماء لم يتأوّلوا آية "وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس" [سورةالحديد، من الآية25] هذا التأويلَ المجازيَّ وقد بين علماء المعادن في العصر الحديث أنّ الإنزال يُفهم بمعناه الحقيقيّ ولا يسع تأويله- كما هو عليه الحال في أمثلة أخرى- ذلك أنّ الحديد نزل على الأرض من نيازك وأجرام سماوية، وقد عدّ بعض المفسرين هذه الآية محتويةً على مظهر من مظاهر الإعجاز العلمي للقرآن. إذ لم يكن العرب ولا معاصروهم عند نزول الوحي عارفين بأنّ معدن الحديد الذي يستخرجونه من الأرض، ليس أصله أرضيا.

   وهاهنا يطرح تساؤل: ما الذي جعل القدماء لغويين ومفسرين يذهبون إلى بيان كيفية انطباق الشاهد (القرآني) على المعنى المتعارف عليه في بعض الحالات، في حين أنّهم يتوقّفون عن بيان تلك الكيفية في حالات أخرى؟

   وبعبارة أخرى، ما الذي كان يقودهم في التأويل فيوجّههم إلى تفصيل القول عند شاهد وإجمال الكلام في سياق شاهد آخر؟

   نحدس بأنّ ثمة نظرية ثاوية تتمثل في "سلسلة"[أو "استرسال"continuum] من المسلّمات "الماقبلية" تسيّر عملية التأويل وقد تؤدّي مرة إلى إقرار المشترك ولكنّها –في الغالب- تجنح إلى دفعه وحصره إلى أضيق حدّ ممكن.

   و لعلّ اعتبار أغلب القدماء أنّ المشترك يوقع في الغموض و الالتباس هو الذي أدّى بهم إلى تقليص حضوره ما وسعهم ذلك.

   و يرى أحمد مختار عمر أسبابا أخرى-غير المذكورة آنفا- لحدوث الاشتراك عند القدماء منها القلب المكاني مثل: دام و دمى و الإبدال مثل: حنك و حلك و نقل الكلمة إلى المصطلح العلمي مثل: التوجيه لغة و التوجيه اصطلاحا في علم العروض و من ذلك أيضا أنواع المجاز كالعلاقة السببية أو إطلاق اسم الجزء على الكل أو إعطاء الشيء اسم مكانه(8).

   و قد ناقش محمد نور الدين المنجد مثالا ضربه الإمام الرازي على الاشتراك: "إن المواضعة تابعة لأغراض المتكلم، و قد يكون غرضه تعريف ذلك الشيء على الإجمال، بحيث يكون ذكر التفصيل سببا للمفسدة، كما رُوي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال للكافر الذي سأله عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وقت ذهابهما إلى الغار: من هو؟ فقال: رجل يهديني السبيل. و لأنّه ربما لا يكون واثقا بصحّة الشيء على التعيين، إلا أنّه واثق بصحة وجود أحدهما لا محالة، فحينئذ يطلق اللفظ المشترك لئلا يكذِب و يكذب، و لا يظهر جهله بذلك، فإنّ أي معنى يصحّ فله أن يقول: إنّه كان مرادي"[المحصول، ق1،ج1، ص.364] يناقش الباحث هذا المثال قائلا: "بيد أن في المثال الذي ذكره الرازي نظر، فقول أبي بكر لا نظنّه يحمل على الاشتراك، و إنّما هو تورية و التورية من البلاغة  و الاشتراك شيء و العوامل البلاغية شيء آخر[...] ثم إنّ هذه التورية تتضمّن المجاز في دلالة السبيل على الدين أو الإسلام أو طريق الجنّة أو ما شابه"[الاشتراك اللفظي في القرآن الكريم بين النظرية و التطبيق، ص.44]       و الحال أنّ استدراك الباحث على الإمام الرازي لا موجب له في تقديرنا، فما دام الباحث يقرّ بأنّ الاشتراك ظاهرة لغوية معجمية و التورية ظاهرة بلاغية بديعية، فما الذي يمنع أن يصدق الوصفان على المثال الواحد؟ و لكن تختلف المنظورات: فمن جهة علاقة الدال بالمدلول، نتبين اشتراكا معجميا، بمعنى أن الدال واحد و مدلولاته متعددة. و أمّا من جهة "العمل اللغوي"الذي حقّقه القائل، فهو أن يخفي عن مخاطبه مقصده الحقيقي عبر توسّل معاريض الكلام،   و تلك هي التورية: أي أن يكون للفظة معنيان قريب غير مقصود و بعيد هو المقصود. و من ثمّة فلا تعارض بين أن تكون الكلمة من المشترك اللفظي قائمة على التورية في آن. غير أن المحلّل يعتبرها من المشترك إذا كانت زاوية نظره معجمية، في حين يعدّها البلاغيّ تورية بحكم خصوصية منظوره.

   و لنا مع ذلك أن نبيّن أنّ المشترك ينظر إليه من زاوية النظام اللغوي: أي من حيث البناء المجرّد، في حين أنّ التورية لا تقع إلاّ في سياق مخصوص: أي إنّها تُدرس في نطاق الاستعمال أي داخل خطاب ما أو نصّ ما لأنّها أسلوب من أساليب البلاغة و وجه من وجوه البديع.

   و الاشتراك يعدّ ظاهرة نظامية "طبيعية" أمّا التورية فتقوم على ضرب من التصرّف الأسلوبي، فتعتبر نوعا من السلوك الفردي، بما يطبعها بطابع استهداف تحقيق مقصد التأثير بالقول القائم على التورية، في حين أنّ الاشتراك ظاهرة "موضوعية" تتصف بها بعض الكلمات، و ليس الفرد مسؤولا عن وضعها أو ابتكارها بل يوفّرها له الرصيد المعجمي في اللغة.

 

 

*الهوامش:

(1) الشريف الجرجاني: التعريفات، ص-ص.274-275.(نسخة إلكترونية ضمن موسوعة هبة الجزيرة)

(2)نفسه، ص.253.

     (3) أورده غيوم جاكيه متحدّثا عن منهج فكتوري وفوكس في كتابهما :

Victorri B., Fuchs C. (1996), La polysémie, construction dynamique du sens, Paris, Hermès

انظر مقال جاكيه:

Guillaume Jacquet(2003), Polysémie verbale et construction syntaxique : étude sur le verbe jouer.

(4) من الكتب الهامة في هذا السياق نذكر:

-Georges Kleiber,1999,Problèmes de sémantique, la polysémie en questions, Presses  Universitaires du Septentrion.

-Bernard Victorri & Catherine Fuchs,1996,La polysémie, construction dynamique du sens, Paris, Hermes.

(5) جاء في لسان العرب لابن منظور، مادة (ح م ل):" وفي حديث عليّ: لا تناظروهم بالقرآن فإنّ القرآن حمّال ذو وجوه، أي يُحمل عليه كلّ تأويل فيحتمله، وذو وجوه أي ذو معان مختلفة."

(6) هذا تعريب لعنوان مؤلف جماعي تطرق إلى ظاهرة المشترك، من عدة زوايا نظر:

- Collectif, La polysémie ou l'empire des sens,2003, Presses Universitaires de Lille.

(7) بالمفهوم المعجمي لا بالمفهوم البلاغي.

(8) انظر كتابه علم الدلالة، وما جاء به أحمد مختار عمر ليس غريبا عن التقاليب الخليلية التي وسّع النظر فيها ابن جنّي عبر إجرائه ضروبا من الاشتقاق كثيرة و عبر حديثه عن "تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني".

 

 

·         بعض المراجع العربية أو المعربة:

-إبراهيم أنيس،1991[ط.6]، دلالة الألفاظ، مكتبة الأنجلو المصرية.

-ستيفن أولمان،1997[ط.12]، دور الكلمة في اللغة، ترجمة د. كمال بشر، القاهرة، دار غريب للطباعة و النشر و التوزيع.

-بدر الدين الزركشي،1988[ط.1]، البرهان في علوم القرآن، بيروت، دار الكتب العلمية.

-الأزهر الزناد،1998، المعجم في اللغة العربية: تولّده و علاقته بالتركيب، دكتوراه دولة، إشراف عبد السلام المسدي، كلية الآداب بمنوبة[مخطوط].

-جلال الدين السيوطي،[د.ت]، المزهر في علوم اللغة و أنواعها، بيروت، دار الجيل.

-عبد الواحد حسن الشيخ،1999[ط.1]، العلاقات الدلالية         و التراث البلاغي العربي(دراسة تطبيقية) القاهرة/الإسكندرية، مكتبة   و مطبعة الإشعاع الفنية.

-محمد غاليم،1987[ط.1]،التوليد الدلالي في البلاغة و المعجم، الدار البيضاء، دار توبقال للنشر.

-عبد العال سالم مكرم،1994، المشترك اللفظي في ضوء غريب القرآن الكريم، الكويت، مطبعة الفيصل.

-محمد نور الدين المنجد،1998، الاشتراك اللفظي في القرآن الكريم بين النظرية      و التطبيق، بيروت، دار الفكر المعاصر/دمشق، دار الفكر.

-أحمد بن محمد المعتوق،2000، الألفاظ المشتركة المعاني في اللغة العربية: طبيعتها-اهميتها-مصادرها، مجلة جامعة أم القرى، المجلد13، العدد21، رمضان1421هـ/ديسمبر2000م،ص-ص.903-954.

-  ألفة يوسف،2003، تعدد المعنى في القرآن، تونس، دار سحر.

*بعض المراجع الأجنبية

-Amr Helmy Ibrahim, 1989, Lexiques, Hachette.

-D.Kayser, 1987, une sémantique qui n'a pas de sens, langages,n°87,p.40.

-Georges Kleiber, 1996, Lexique et polysémie: la coercion de type, in revue de la lexicologie, n°12-13,1996-1997, p-p.73-104.

-Georges Kleiber, 1999, Problèmes de sémantique, la polysémie en questions, Presses Universitaires du Septentrion.

-Georges Lakoff, 1987, women, fire and dangerous things, Chicago University Press.

-Georges Lakoff, 1991, foundations of cognitive grammar.

- Ronald.W.Langacker, 1991, Concept, image and symbol, Berlin & New York Mouton.

-Robert Martin, 2001, sémantique et automate, Presses Universitaires de France.

-Jacques Poitou, 2000, Prototypes, saillance et typicalité, terminologies Nouvelles,n°21,juin2000,p-p.16-26.

-François Récanati, 1997, la polysémie contre le fixisme, langue française, 113.

-Moshé Tabachnick, Racines psychomécaniques de la polysémie lexicales: recherches d'une méthode.

- Bernard Victorri & Catherine Fuchs, 1996, la polysémie construction dynamique du sens, Paris, Hermes.

 

 

    

 

Enter supporting content here

هذا موقع صابر الحباشة