Make your own free website on Tripod.com

saber habacha

Home | semantique | critique litteraire | curriculum vitae | favorite sites | Contact Me | Family Photo Album | My Resume | site de Saber Habacha

قراءة في قضية إعجاز القرآن

صابر الحباشة

   هل يحسن أن نعدّ من تعلّق عقله و فكره بشبهة ظنية مدّعيا أنّها القول الفصل في مسألة أمّ من مسائل الحضارة العربية الإسلامية، هل يحسن أن نعدّه مجتهدا تنويريا عقلانيا؟

   ليس طرح هذا السؤال على هذا القدر من العموم مجانيا، بل أردت من خلاله أن أناقش مسألة ملحّة تتعلّق بالنصّ القرآني بما هو قوام الحضارة العربية الإسلامية سواء عند المسلمين بمختلف مذاهبهم أو عند الدارسين مستشرقين و غيرهم.

   تتمثل هذه المسألة في علاقة النصّ القرآنيّ بالواقع المعيش بمختلف تحديداته الاجتماعية   و الاقتصادية و السياسية و الثقافية. هل النصّ يحتكم إلى الواقع فيصدر أو ينزل موافقا له تعبيرا عنه و فضّا لإشكالاته، أم هل إنّ ذلك يقتضي بالضرورة أن يشمل خط الزمن السائل منذ بدء الخليقة إلى منتهاها.

ووجهتا النظر المذكورتان هنا في قالب استفهام تصديق متعاكستان متناظرتان.فالوجهة الأولى ترى أن النص يخضع لعمليات تحيين دورية ليتقمص الواقع بما يحمله من أحداث ومجريات أمور متلاحقة؛ فيعمل الناظرون في النص أولوا العلم به على أن يساير النص الواقع فلا تند حادثة إلا وفيها حكم الله صريحا أو ضمنيا وما على متدبر القرآن إلا أن يستخرج الحكم المطابق لها.ومثل هذا التحليل قد يغض الطرف عن القصص القرآني مقابل التركيز على آيات الأحكام وآيات تثبيت العقيدة، والحال أن القصص القرآني قد وضع موضع النظر الاعتباري وليس موكولا إلى النظر الاختباري لأنه متعلق بأحداث فاتت وانقضت وما متدبر النص ألا الاستفادة منها باستخراج العبرة والعظات فتكون محجّةً إلى حسن العقيدة وحسن السلوك.

أمّا قولنا إنّه ليس موكولا إلى النظر الاختباريّ فمعناه أنّ احتكاكه بالواقع المعيش ضعيف وانطباقه عليه انطباق رمزيّ غير ماديّ لأنّ الأقوام المتحدّث عنهم قد غيّروا وعبروا نهر الحياة ولم تبق إلاّ أحاديثهم لا لمتعة الذكر بل لاستخلاص الدروس.

على أنّ هذا التفريق بين آيات القصص وآيات الأحكام ليس باتّا، بل هو منهجيّ فحسب ألا ترى أنّ القرآن ذكر أحكاما كانت صالحة لمن هم قبلنا وهي تظلّ صالحة لنا (كالحجّ منذ زمن إبراهيم عليه السلام مثلا.)

   أما الوجهة الثانية فتعوّل كثيرا على القول بقدم القرآن خلفية اعتقادية تسهم في تشكيل الموقف منه وتلوين النظر إليه. فإذا كان القرآن قديما، كانت أحكامه حاسمة سابقة، وما الأحداث والوقائع المعيشة إلا صور و إمكانيات يستوعبها النص استيعابا لما هو عليه من شمول وسعة؛ غير أنّ التفطّن لأسرار انطباق الآيات على الوقائع غير متوفّر لأيٍّ كان بل الجزء منها يعلمه من كان ذا حظّ عظيم وبالتأويل عليما؛ دون الكلّ لأنّ كلام الله موطن من مواطن علمه، ولما كان علمه- تعالى- لا نهائيا، فلذلك يحسر نظر الإنسان بصرا وبصيرة عن الإتيان عليه.

   ويتحوّل النّصّ وفق هذه الوجهة من مجرّد دستور أو سلّة من القوانين إلى مفتاح للعالم ومفتاح للكون لأنّه مشتمل على الحقّ الواحد والصدق المطلق دون سائر الأقوال.

   وبذلك فاندراج التفاسير العلمية للقرآن ضمن هذه الوجهة الثانية حاصل لا محالة وإن كان التدليل على شمول القرآن الكون قاصرا في أغلب الأحيان عند أولئك المفسّرين لأنّهم عنّوا أنفسهم القيام بما هم عنه عاجزون أوّلا وغير مكلّفين ثانيا وقد أوقعهم حسن ظنّهم بعلم الإنسان أن قاسُوه بعلم الله معتقدين أنّ في معادلات العلم بعض سرّ الكون وفق الناموس الإلهيّ والحال أنّ علم الإنسان مهما تعالى وتسامى لا يبلغ شبهة الأصل وهو العلم الإلهي. ولا يلزم عن اعتبارنا العلم الإلهي أصلا، اعتبارُ العلم البشريّ فرعا، وإنّما هما غير قابليْن للقياس وفق معيار واحد كمّا وكيفا. كما لا يعني اعتبارنا العلم الإلهي أصلا، اعتبار العلم البشري صورة أو نسخة مشابهة، مقلّدة لذلك الأصل، فهذا تصوّر يعود إلى الفلسفة اليونانية (إلى أفلاطون) وفيه تجسيد مخلّ بالذات الإلهية على شاكلة قياس الغائب على الشاهد كما طبقه المعتزلة.

   بقي أن نشير إلى أن علم الناسخ والمنسوخ وعلم أسباب النزول بالنسبة إلى : وجهتي النظر الآنفتين إنّما يقومان بطريقتين متقابلتين حسب تصوّر كلّ وجهة.

فالوجهة الأولى (أي موافقة النّصّ للواقع) فتقرأ الحكم على ضوء الواقعة الخاصّة المرويّ أنّه نزل فيها وتلتزم بتطبيقه في الوقائع المطابقة أو المشابهة. وتنظر هذه الوجهة إلى الآيات المنسوخة المثبتة في المصحف على اعتبار أنّها آيات أحكام تُتلى ولا تُنَفَّذُ أحكامها إذ قامت أحكام أخرى تنوبها وهي أخرى بأنّها تعتمد لمشاكلتها الوقائع أي لنجاعتها واسترسالها في الاستجابة لمقاصد الشريعة وكلّياتها.

   أمّا الوجهة الثانية[أي إخضاع الواقع للنّصّ] فترى أنّ تحكّم النص في الواقع لا ينقص و لا يفلّ فيه كونُه ينطبق على وقائع معيّنة و مثّلت بداية تطبيقه فقِدم النصّ ثابت لا تزعزعه معرفة أوقات نزول الآي أو انطباق بعض الأحكام على وضعيات   و ظرفيات معيّنة، ذلك أنّ قِدم النصّ اعتقاديّ تسليميّ و ليس محلّ مزايدة بل إنّ انطباق الأحكام على وقائع بعينها لممّا يزيد في اطمئنان قلب المسلم إلى أنّ القرآن صالح لكلّ زمان و مكان، فمثل ذلك الانطباق حجّة إضافية لاعتبار القرآن مفتاح الكون بمعنى الوسيلة الكاملة لأداء الاستخلاف في الأرض و عبادة الله حقّ العبادة.

   و لا يعني مثل هذا الاعتبار أنّ جماع السنّة و ما تواتر من صحيح المنقول غير منظور إليه أو يُهمل و لكن درجة حجّيّته أضعف و مقامه لا يداني مقام كلام الله بل لا تجوز المقايسة بينهما و إن اعتدّ به بعض الفقهاء أصلا ثانيا من أصول التسريع فليس ذلك من قبيل المضاهاة بينه و بين القرآن الكريم بل على أساس احتياج النصّ إلى مفسّر(*) ثمّ لكون شريعة الإسلام لم تقتصر على المعجزة بل أردفتها بمدعّم من مدعّماتها وهو شرح و تفسير و توضيح للمعجزة.

   نخلص ممّا سبق إلى القول إنّ عدم الإحاطة بإعجاز القرآن هو نفسه حجّة إضافية على صحّته، و لا نخطّئ القائلين بالصّرفة إذا فُهم من ذلك الصرفة الأبدية أمّا أن تكون صرفة خاصّة بالعرب زمن البِعثة فحسب، فلا و إن كان في ذلك نظر إذ تعتبر المعتزلة أنّ العرب أَوْلى الناس بمحاكاة القرآن و مجاراة أساليبه فإذا انتهوا عنه فذلك حجّة لا عليهم فقط بل على سائر الأمم التي هي من باب أوْلى و أحرى أقلّ أهليّة للإتيان بمثله، و لا يُعتبر التوراة  و الإنجيل معجزتين كالقرآن لكون الرسولين موسى وعيسى قد أُوتيا معجزات معروفة (كانقلاب العصا حيّةً و إبراء الأكمه       والأبرص و إحياء الموتى بإذن الله) ثمّ إنّ التحريف الذي انتاب ما بقي من الكتابين، جعل العرب أوْلى الأمم بالحفاظ على القرآن معجزة البيان. و لا نعلم في التوراة      و الإنجيل تحدّيا صريحا أو نفيا للنظير؛ أمّا القرآن فقد تحدّى المعارضين و صرّح بكون الإسلام الديانة الخاتمة و قد جاء الرسول محمّد صلّى الله عليه    وسلّم نبيّا خاتما     وجاء القرآن"مهيمنا".

   و إنّني أذهب إلى اعتبار أنّ القرآن الكريم يحتوي على وجوه من التأويل لا يعلم حصرها إلاّ الله؛ لذلك فلا غَرْوَ أن يسلك المفسّرون فيه مذاهب شتّى و يُحبّروا عددا مهولا من الصحائف قديما و حديثا دون أن يستنفدوا معانيه الغزار و دلالاته البِحار، غير أنّ التفاضل واقع بينهم من حيث القرب من الوجاهة أو مجافاتها، دون أن يذهب في الظنّ أنّ أفق التفسير الصائب محدود بحدود ثابتة لا تزول و لا تحول بل الأمر أدقّ من أن يؤخذ بصارم الحدود و بتّار القيود قبل تبيّن مناهج التفسير جليلها و وضيعها بل لعلّي اذهب إلى أنّ التفسير الموفّق لا يكون صاحبه إلاّ مُلهَما ذا حظ عظيم، قد آتاه ربُّ العزّة قوّةَ الفهم وفقّهه علوم التأويل وهي العصيّة إلاّ على الجهابذة، و إلاّ فإنّه لن يعدّي سواحل النصّ فكيف يدّعي بعد ذلك الوقوع على جواهره وهو لم يغص عليها أو بالأحرى لم يتجهّز بجهازها الذي يسعه به إن يسبر أغواره و يكشف درره و مَحارَه.

   و لعلّ أبا بكر الصدّيق رضي الله عنه قد جعل النصّ متحكّما في الواقع إذ فسّر كون الرسول صلّى الله عليه و سلّم لا يحسن التمثّل بالشعر على معنى الآية الكريمة  "وَ مَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَ مَا يَنْبَغِي لَهُ"(يس:69) رغم محاولة أبي بكر أن يصحّح تمثّل النبيّ بالبيت الشعريّ. و مثل هذا التحكيم للنصّ في الواقع يجعل منه شبكة تحليل سابقة للحوادث، فكلّ واقعة يُبحث عن بيان حُكْمها بالرجوع إلى شبكة التحليل المذكورة. وكان يمكن لأبي بكر ألا يذهب ذلك المذهب (لو كان مهتز الإيمان بالرسول مثلا) فيعتبر عدم إتيان الرسول بالبيت الشعري (وهو لسحيم عبد بني الحسحاس،وهو شاعر مخضرم) كما هو آية قلّة ذوق وانعدام إيلاء الشعر المكانة الملائمة، بما لا ينسجم مع الإطار الثقافي العربي العام الذي يولي الشعر المنزلة الرفيعة، وهذا يستتبع تقلص اهتمام الرسول (صلى الله عليه وسلم) بالشعر لوقوعه في دائرة سلطة الكلام وهي نفس الدائرة القرآنية، ولا يجوز لنبي أن يتنازع لديه الانشغال المتوازي بكلام الله وكلم البشر لذلك كان حظ الشعر رغم تشكيله ثقافة الجاهليين هزيلا في صدر الدولة الإسلامية، بما يمكن أن يوصف بالقطيعة المعرفية التي أحدثها القرآن في بيئة العرب.

   *الإعجاز في لغة القرآن بين العرب الذين فيهم وبين المعاصرين: هل وقع الإعجاز من حيث صعب على القدامى فهم إشاراته وإيحاءاته، حتى حصلت الاكتشافات العلمية الحديثة "مصداقا" لكلمات القرآن وآياته؟

   والحال أنّ قرب العرب زمن البعثة من النصّ القرآنيّ أولى أنّ يُؤهّلهم إلى سبر كنهه من المعاصرين و ذلك من زاوية تطوّر المعاني اللغوية و ما ينجرّ عن ذلك من موت بعض الألفاظ و توليد بعضها الآخر و تبدّل معاني كثير من الكلمات، فضلا عن الانتقال المجازي أو الاصطلاحيّ الدلالة الحرفية "الأولى".

أم هل وقع الإعجاز من حيث اطمأنّ العرب له بيانا و دستورَ حياةٍ وافق أُمِّيَّتَهم      و جانس أفقهم المعرفيّ( فلم يتوسّع في تفاصيل الأخبار الإسرائيليات و النصرانيات) ممّا أسهم في مرونة التقاطهم لشفراته و رموزه الصالحة لهم في عصرهم دون أن يكون ذلك الفهم الذي أتوْه مُغلقا الباب أمام اللاحقين ليثيروا كوامن في النصّ لم يحتج العرب الذين نزل فيهم لهل توضيحا إذ تلقّوْها تلقّيا حدسيّا إيمانيا نظرا إلى "صفاء" فطرتهم و أمّيّتهم الغالبة عليهم.

   ووجه الإعجاز ههنا قدرة القرآن على أن يُحيط بالقوم تماما دون إن يحيطوا به تماما،     و أنّى لهم ذلك و الرسول بين ظهرانيهم لم يُفسّر منه إلاّ بعض آيات جمعها البخاري في صحيحه، فمثّلت نحوا من ثُمُن كتابه مُرتَّبةً في بابين:"كتاب تفسير القرآن" و"كتاب فضائل القرآن".

   لعلّ التفاسير العلمية للقرآن-و التي ابتدأت منذ القديم و تعزّزت في العصر الحديث- لها جانب نفسيّ هامّ يتمثّل في حرص أصحابها على تحقيق التوازن السيكولوجيّ في ظلّ سيطرة القوى الغربية المعاصرة علميّا و تكنولوجيا، فكأنّ لا ملجأ للمفسّرين إلاّ نسبة التقدّم البشريّ الذي جاء على أيدي الكفّار، إلى القرآن بوصفه قد تنبّأ بذلك عبر إشارات دقيقة لم يُتفطّن إليها إلاّ بعد أن تمّت الاكتشافات التي أنجزها الغرب.فيضطلع النصّ القرآنيّ في هذا السياق بدور الوقاية التي تحول دون أن يحلّ بنا خطر العالم المتقدّم. فهو نصّ لغويّ خارق من حيث امتداده زمانا و مكانا و قد أبان عن قدرة عجيبة على الصمود و مقاومة الهجمات في ضرب من الحصانة و المناعة شديد، حتّى أنّ المفسّرين للقرآن علميّا أرادوا الركون إليه ليسترفدوا الطاقة على مواجهة العصر من زاويتين:

-       أولاهما زاوية اقتراح بديل إلهيّ هو تحدّ لإعجاز القرآن أمام الاكتشافات العلمية الغربية الباهرة.

-   ثانيتهما زاوية مخاطبة المسلمين بالنصّ المحوريّ الذي يهمّهم جميعا ممّا يضمن للمفسّر تجاوب المعاصرين معه في ضرب من التناغم و الالتقاء الإيديولوجيّ فالفكريّ.

الهوامش:

(*)لا نعني بذلك ضعف النصّ عن بيان مراده تعالى بل ضعف كثير من الناس           و قُصورهم عن تدبّر آيِهِ على الوجوه الشرعيّة في الفهم.

       

 

Welcome!

النحو والمنطق تنافر أم تظافر؟

 

 

صابر الحباشة

   من المعروف أنّ قصّة المناظرة الشهيرة التي أوردها التوحيدي في الليلة الثامنة من "الإمتاع والمؤانسة" والتي جرت بين أبي سعيد السيرافي النحوي ومتى بن يونس المنطقي سنة 326 هـ، قد اتخذت شاهدا على انفراط العقد بين هذين العلمين في سياق الحضارة العربية الإسلامية، ممّا جعل المنطق يبدأ ويظلّ غريبا[1] فقد هيمنت الرؤية النحوية على المجال التداوليّ لهذه الحضارة على حساب المنطق.

   غير أنّ من الدارسين المحدثين من أعاد قراءة هذه المناظرة قراءة تأويلية تفتح الباب أمام تعليل طريف لما تُوُهِّم من تنافر أنطولوجيّ بين النحو والمنطق غذاه اختلاف الأصول المعرفية التي انغرس في تربتها كل منهما. وكأن الرؤية التقليدية السائدة أن لا تعايش طبيعيا بين العلمين، بل لا بد من صراع بين النحاة والمناطقة، ولا مجال لأن يقفا على أرض واحدة، فالتنازع بينهما وجوديّ ثابت.

   تقوم هذه القراءة الجديدة لأبعاد المناظرة المذكورة على فحص الأسس التي انطلقت منها موجبات الافتراق وتعززت نقاط الاختلاف. وتتلخص القراءة الجديدة في طرح تساؤل عميق: "أنحن على يقين من أنّ الموضوعية الصادقة التي بها تُتناول قضية العلاقة بين النحو والمنطق موضوعية لم ترث عند هذا أو ذاك، ودون إرادة، موقفا عقائديا قديما، أو ردّ فعل ضدّ هذا الموقف؟"[2]

   يقوم هذا التساؤل على رغبة إذابة ثلج الرواسب الفكرية التي تحكمت في احتراز العرب من المنطق نظرا إلى اعتبارهم إياه:

-         إماّ دخيلا لا غناء منه ولا حاجة لنا إليه.

-         وإمّا مُستقى من النحو اليونانيّ، ومن ثمّ فإنّ الركون إليه وتحكيمه في النحو العربي يعني "أَغْرَقَة" هذا الأخير وإفقاده مناعته الخاصّة وصلابته المنهجية التي ما انفكّت تتدعم عبر أجيال من النحاة منذ الخليل بن أحمد (ت.160هـ أو 170هـ) إلى آخر الشرّاح في عصور الانحطاط.

فعدم التوافق بين النظامين النحوي العربي والمنطقي اليوناني، كان بمثابة المصادرة العامة التي توارثها الخلف عن السلف، وإن عبّروا عنها بطرق مختلفة بعضها مباشر سجاليّ والبعض الآخر ضمنيّ مُغَلَّف بمسحة موضوعية علمية رقيقة.

   غير أنّ إعادة النظر والتمحيص في المسألة، على النحو الذي يمكن أن نستأنفه – انطلاقا من تساؤل الشريف – قد يؤدّي بنا إلى العزوف بداية عن الآراء الجاهزة، نقدا للمسلمات القبلية التي تقوم على مفاضلات ومقارنات إيديولوجية وعنصرية بين العلوم واللغات. ولا بدّ في هذا السياق من رفض القراءات التي تنقد المنطق الأرسطيّ، لأنّه ظلّ رهين اللغة الإغريقية، فكانت مقولاته هي تقريبا مقولات اللغة الإغريقية. لا لشيء إلا لأنّ مثل هذا الفهم التبسيطيّ يعتبر الانفصال بين المنطق والنحو من المسلّمات البديهية، فمتى تشابك العلمان، عُدَّ ذلك طعنا في المنطق، باعتبار أنّ هذا الأخير يطمح إلى اكتساب البعد الكونيّ والمنزع الكلّي، بخلاف النحو الإغريقي (وكلّ نحو لغة طبيعية، في الواقع!).

   وليس من العيب – إذا قرأنا المسألة من منظار نظريات التعقّد التي جاء بها إدغار موران(Edgar Morin) – أن نقرأ العلاقة بين النحو المنطق وفق تاريخ متراكم من سوء الفهم المتبادل، تقطعه أحيانا رؤى وحدوس خلاّقة لمناطقة- نحاة نأوا عن الانفصال الموهوم وتجلت إبداعاتهم في بناء النحو الكلّي الذي نجد بداياته مع مدرسة بور روايال (port-royal) المنطقية النحوية، والتي عاد إليها اللسانيون المحدثون لتأصيل مشاريع النحو الكلّي، مثل تشمسكي (Chomsky).

   فإذا عدنا إلى سياق المناظرة، تبيّن لنا أنها تتنزل في إطار تزاحم العلوم على اكتساب قصب السبق في المنظومة المعرفية التي اكتملت في القرن الرابع للهجرة. فقد رغب النحاة في الاستيلاء على آلة تحليل الرأسمال الرمزي الذي انبنت عليه الحضارة الإسلامية، ألا وهو النصّ القرآنيّ. ونازعهم المناطقة هذا الدور ففشلوا في مقاسمتهم إياه بعد أن يئسوا من أن يظفروا عليهم، وهنا تأتي المناظرة لتكريس غلبة الرؤية النحوية الحاصلة بعد. لا يجد الباحث صعوبة في تمحّل تبريرات إيديولوجية لهذه الغلبة، غير أنّ النظر التاريخيّ والإبستيمولوجيّ قد يسعفنا بملاحظة خطيرة، تتعلق بولادة النحو مكتملا، وهو ما لم يكن للمنطق حظ شبيه به، ولذلك شرعت الهوة تتسع بينهما وتتعزز بكتب نحوية حاسمة، لم تضارعها – في فترتها – كتب منطقية شوّشت عليها احتلالها صدارة الاهتمام في المنظومة المعرفية الإسلامية. وتزامن ظهور العلوم الأصول: أصول الفقه وأصول النحو وأصول الدين [علم الكلام]، وظلّ المنطق آلة تُستعمل وتُذمّ، ورغم اشتراكه مع النحو في كونهما علمين آلتين فقد ارتقى النحو في سلّم الأولويات وظلّ المنطق حبيس أطر ضيّقة. وأسهم نظام التدريس والمؤسسة التعليمية في إفساح المجال لتغليب النحو وتغييب المنطق أو يكاد. وقريبا من هذا المعنى يقول الشريف: "فالنحو عند المسلم هو الذي يحدد القواعد الأولية المكونة للقول الحامل للحقيقة. ومن الطبيعي في أمّة هذا اعتقادها، ألاّ تترك للصناعة المنطقية التي تدّعي تمثيل العقل أن تكون مجاوزة للنحو"[3]. ومن هنا جاء الدور الأساسيّ الذي أناطه المفكّر المسلم بالنحو فهو النسق الذي "يحدد القواعد الأولية المكونة للقول الحامل للحقيقة."[4]

فلا يمكن أن نفهم أبعاد موقف السيرافي في المناظرة دون التعريج على الرسالة الحضارية التي تحمّلها بوصفه، على حدّ عبارة الشريف، نحويّا مكلّفا "بالدفاع عن الأمّة بالدفاع عن النحو ضدّ المنطق"[5]. وبذلك يكون النحو لا علما وصفيا بل معقلا للهويّة ورمزا للانتماء، ومن هنا نرى أنّ البحث في تطوير النحو وتحديثه قد لا يدور في فلك التأهيل التقني لهذا القطاع كي يواكب الثورة المعرفية الحديثة، بل قد يكون متجها نحو تضمين أهداف فكرية غير منتمية إلى صميم العلم.

   ونودّ الإشارة إلى أنّ بعض الباحثين قد بيّن في معرض حديثه عن مواقف الدارسين من نشأة النحو أنّ بعض المستشرقين يزعم "أنّ النحو العربي استعار من المنطق الأرسططاليسيّ التقسيم الثلاثيّ للكلام والتمييز بين الجنس والآخر ومفاهيم من قبيل الظرف والحال وأفكارا حول الأزمنة والفاعل"[6]. وكما لا يخفى فإنّ الحديث عن التأثر بالمنطق الأرسطيّ في زمن نشأة النحو العربيّ، فيه شيء من المبالغة. ويشير الودرني إلى ما يمكن أن نصف به موقف هذا المستشرق، من وقوع في ضرب من التنافي، إذ أقرّ "في الوقت نفسه بأنّ منطقهم [أي النحاة العرب] مباين تماما لمنطق الفلاسفة"[7]، ويمكن أن نستدلّ برأي ابن تيمية حول تأخر زمن اعتماد النحاة الاصطلاحات والحدود المنطقية، يقول: "إن النحاة لما دخل متأخروهم في الحدود ذكروا للاسم بضعة وعشرين حدا وكلها معترض عليها على أصلهم"[8].

   وثمّة موقف آخر يقع على طرفيْ نقيض من الموقف السابق، ينفي أصحابه فيه "أيّ أثَر إغريقيّ في النحو العربيّ وذلك بالتركيز على عمق الروابط القائمة بين علمي الفقه والنحو في مجالي المنهج والمصطلح دلالةً على نشأتهما نشأة عربية خالصةً، هذا إضافةً إلى ما يوجد من تباين صريح بين المصطلح الذي توخاه سيبويه في كتابه والمصطلح الذي راج عند المترجمين الذين نقلوا عن أرسطو أفكاره النحوية"[9].

   ولعلّ المستشرق الفرنسيّ جيرار تروبو (G.Troupeau) قد جاء برأي وسط فيه ضرب من "الإنصاف" حيث قال "ودون أن ننفي أنّ التأثير الذي كان يفرضه ضرورة المنطق الأرسططاليسي على نحاة بغداد بداية من القرن 4 هـ / 10م، يمكن أن نعتبر أنّ النحو تشكّل بمنأى عن أيّ تأثير أجنبيّ في الوقت نفسه الذي تشكّلت فيه علوم أخرى إسلامية مثل التفسير والفقه، والتي نمت خلال النصف الأول من القرن 2هـ / 8م في مركزين ثقافيين كبيرين بجنوب العراق هما البصرة والكوفة"[10].

   ويرى تمام حسّان "أنّ العرب حتى وإن فكّروا تفكيرا منطقيا في قضايا النحو والاستدلال الفقهيّ، فإنّ ذلك من وحي المنطق الطبيعيّ لا المنطق الصوريّ بالمعنى الأرسطيّ، لأنّ المنطق الطبيعيّ هو نتاج تكوين العقل الإنسانيّ بوجه عامّ"[11].

* النحو والمنطق أو اللفظ والمعنى؟

   " قال أبو سعيد: [...] أسألك عن حرف واحد، وهو دائر في كلام العرب، ومعانيه متميزة عند أهل العقل؛ فاستخرج أنت معانيه من ناحية منطق أرسطاطاليس الذي تدل به وتباهي بتفخيمه، وهو الواو ما أحكامه؟ وكيف مواقعه؟ وهل هو على وجه أو وجوه؟ فبهت متى وقال: هذا نحو، والنحو لم أنظر فيه، لأنه لا حاجة بالمنطقي إليه، وبالنحوي حاجة شديدة إلى المنطق، لأن المنطق يبحث عن المعنى والنحو يبحث عن اللفظ، فإن مر المنطقي باللفظ فبالعرض، وإن عثر النحويّ بالمعنى فبالعرَض والمعنى أشرف من اللفظ، واللفظ أوضع من المعنى."[12]

نلاحظ أنّ جواب متّى قد أبان عن نظرة ثنائية حاسمة، نظرة تفصل المعنى عن اللفظ فصلا، وتجعل أحدهما بمعزل عن الآخر، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فهي تنشئ مفاضلة بين اللفظ والمعنى فتنتصر لهذا الأخير.

   ومعلوم أنّ عبد القاهر الجرجانيّ (ت.471هـ) قد بيّن في مصنّفاته ولا سيما "دلائل الإعجاز" خطأ القول بالفصل بين اللفظ والمعنى ومن ثمة فلا فائدة ترجى من المفاضلة بينهما، باعتبار أنّ لكلّ طرف دورا في القول ولا يمكن أن نجنيَ من عزل أحدهما عن الآخر عزلا أيديولوجيا إلاّ سوء الفهم والانتصار للمذهب الذي نتبناه دون دليل علميّ مقنع. ولعلّ النظر في مقترحات اللسانيات الحديثة في تمثيل الأقوال يوقفنا على عودة الوئام بين المستويين المنطقيّ والتركيبيّ، في تقاسم الأدوار عند تحليل الجمل:

فالمستوى السطحي يشتمل على البنية الصوتية أما المستوى العميق فيتكون من البنية الدلالية. وبذلك لا يمكن تخليص العلامة اللسانية من دالها أو مدلولها فهما متلازمان تلازُم الوجه والقفا.

بل إنّ البحث عن نحو كلّيّ، كما أشرنا إلى ذلك أعلاه، استوجب استنفار النظريتين النحوية والمنطقية لتحقيق هذا الهدف، وقد عززت العلوم الحاسوبية الحديثة ضروب التعاون بين هذه العلوم المترابطة، فضلا عن العلوم المعرفية المجاورة لها كالرياضيات والمعلوماتية وعلم الأعصاب وعلم النفس المعرفيّ... في إطار معالجة اللغة الطبيعية معالجة آلية، بالخصوص.

   بهذا المعنى يمكن الحديث عن خصومة قديمة – ماتت تاريخيا – بين النحو والمنطق، استُعيض عنها بالتعاون العابر للاختصاصات العلمية وهو من أهمّ سمات المعرفة العلمية الحديثة.   

 



[1]  طبعا هذه نظرة "قصووية" لا نتبناها، وإن كان ثمّة من يقول بها خاصّة من يدّعي بأنّ "الأعرابيّ هو صانع العالَم". أمّا بعض الباحثين الآخرين فيرون أنّ حركة "الترجمة التي رعاها المأمون قد شكّلت نقطة تحوّل في سير الثقافة الإسلامية بكل فروعها" انظر تمام حسان الأصول، دراسة إيبستمولوجية لأصول الفكر اللغوي العربيّ، دار الثقافة، المغرب، ط1، 1981، ص56.

[2]  الشريف، محمد صلاح الدين، 2002، الشرط والإنشاء النحويّ للكون: بحث في الأسس البسيطة المولّدة للأبنية والدلالات، جامعة منوبة، كلية الآداب، سلسلة اللسانيات، مج16، تونس، ج2، ص1188.

[3]  الشريف، محمد صلاح الدين، 2002، الشرط والإنشاء النحوي للكون، ج2، ص1188. التشديد من عندنا.

[4]  المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

[5]  المرجع نفسه، ص1189.

[6]  نقلا عن الودرني، أحمد، 2004، قضية اللفظ والمعنى ونظرية الشعر عند العرب، من الأصول إلى القرن7هـ / 13م، بيروت، دار الغرب الإسلاميّ، ط1، ج1، ص121. والملاحظ أنّ هذا الرأي كتبه صاحب مدخل "نحو" في دائرة المعارف الإسلامية، الطبعة الفرنسية، ص914.

[7]  نفسه.

[8]  ابن تيمية، الرد على المنطقيين، دار المعرفة، بيروت، ص8. (التشديد لنا)

[9]  نفسه.

[10]  نفسه.

[11]  نفسه، نقلا عن تمام حسان، الأصول، دراسة إيبستمولوجية لأصول الفكر اللغوي العربيّ، دار الثقافة، المغرب، ط1، 1981، ص53-54.

[12]  أبو حيان التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة، تصحيح وضبط أحمد أمين وأحمد الزين، بيروت، المكتبة المعصرية، 1953، الليلة الثامنة.

 نبذة عن الكاتب

 

- صابر بن محمود بن حسن الحباشة

- ناقد وباحث أكاديمي من تونس.               

- متحصل على الأستاذية في اللغة و الآداب العربية من كلية الآداب بمنّوبة(جامعة منوبة) في يونيو1998.

- متحصل على شهادة الدراسات المعمقة في اللغة العربية، بملاحظة"حسن جدّا"، يناير2003.

- نشر دراسات و ترجمات في اللسانيات و البلاغة و التداولية، بمجلات عربية و تونسية، فضلا عن الصحف ذات الملاحق الأدبية، إضافة إلى المواقع الإلكترونية.

- صدر له: الإقليد، مقاربات لأدب فريد، دار الإتحاف للنشر، تونس، 2005.

- له عدّة كتب جاهزة للنشر، منها:

   * الأبعاد التداولية في شروح التلخيص للقزويني: بعض أحوال المسند إليه نموذجا، من المعنى النحوي إلى المعنى التداوليّ.

   * طوق اللغة: محاولات في تحليل الخطاب.

   * التداولية: من أستين إلى غوفمان، لفيليب بلانشيه (تعريب عن الفرنسية)، تحت الطبع.

   *أساليب اللغة: قراءات تطبيقية على نصوص روائية من تونس.

   * تلوين الخطاب: فصول مترجمة في البلاغة والأسلوبية والتداولية.

 

 

العنوان:

صابر الحباشة

- في البحرين  (أثناء العام الدراسي: من سبتمبر إلى يونيو): الشقة11 - المبنى2555 - الطريق1849 - الحورة318 -  المنامة- مملكة البحرين

الهاتف0097339156180

 

 -  في تونس (خلال العطلة الصيفية: خلال شهري يوليو وأغسطس ): 12 شارع تونس- منزل تميم8080 – الجمهورية التونسية.

 

الهاتف: (00216)72.349.590

الجوّال:(00216)97.495.098  

البريد الإلكترونيhabacha_saber@yahoo.com:  أو saberh778@hotmail.com

 

الحساب الجاري في البنك العربي، البحرين، فرع القضيبية:

رقم

20022369556520

 

 

On this home page, I'll introduce myself and talk about my reasons for wanting a web site. I might put a picture of myself on this page...or just a picture that I especially like.

People shouting at the world over megaphones; Size=240 pixels wide

تنظيم الاشتراك الدلاليّ للفعل العربيّ

مقاربة عرفانية

 

 

-       مقدمة

-       الباب الأول:  المشترك الفعلي وثنائية معلم / منتقل

-       الباب الثاني: المشترك الفعلي والأوائل الدلالية

-       الباب الثالث: المشترك الفعلي والنماذج العرفانية العليا

-       الخاتمة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

النظام الدلالي:

   تعالج العلاقة بين "الألفاظ المشتركة" و"المعاني الملتبسة"[1] في سياق المقاربة التقليدية وفق ثنائيات ثابتة: الإطلاق والتعيين، الترادف والتضاد، التواطؤ والتباين... وذلك في سياق كون دلاليّ متناسق مضبوط لا يتطرق إليه انحراف إلاّ وجد طريقه إلى كشف السبيل إلى حلّه وإرجاعه إلى "سواء السبيل".

ومن هذا المنطلق عرفت دراسة المشترك تقليديا ضربا من الإجماع على تنزيلها منزلة الظاهرة العرَضية التي يجب إخضاعها إلى المنوال العامّ، وهو ما اختصره الأصوليون والمناطقة في عبارة مفادها أنّ الأصل هو اللفظ الواحد للمعنى الواحد، ولكن لمّا كانت الألفاظ متناهية والمعاني غير متناهية، فقد تمّ اللجوء إلى الاشتراك ليمتدّ سلطان اللغة إلى معان كثيرة لم يكن ليطولها لولا اتساع اللفظ ليدلّ على أكثر من معنى. يقول السيوطي: "ومن الناس من أوْجب وقوعَه - قال: لأن المعانيَ غيرَ متناهيةٍ والألفاظ متناهية، فإذا وُزِّع لزِم الاشتراك."[2] يقول الغزالي:" إنَّ الْأَلْفَاظَ الْمُتَعَدِّدَةَ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْمُسَمَّيَاتِ الْمُتَعَدِّدَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ مَنَازِلَ، وَلْنَخْتَرِعْ لَهَا أَرْبَعَةَ أَلْفَاظٍ وَهِيَ : الْمُتَرَادِفَةُ وَالْمُتَبَايِنَةُ وَالْمُتَوَاطِئَةُ وَالْمُشْتَرَكَةُ"[3]. ويبيّن الغزالي أنّ الاشتراك لا يعني الوقوع في التناقض بالضرورة: "فَإِنْ اتَّحَدَ اللَّفْظُ دُونَ الْمَعْنَى لَمْ يَتَنَاقَضَا"[4].

   غير أنّ تقسيمات العلاقات بين الألفاظ والمعاني مهما انضبطت فإنّها قد تعترضها بعض الحالات غير النظامية التي تشذ عن الانتماء الصريح إلى أحد تلك الضروب. بل قد تُحمل اللفظة على بابين، فلا يمكن حشرها بالإطلاق في باب حتى نعرضها على السياقات التي ترد فيها.

في العناية بالمشترك

   يكاد المشترك الفعليّ يكون مهملا لا من حيث الإشارة إلى وجوده، بل من حيث دراسته، في المدوّنة التراثية، إذ يعتبر النحاة أنّ الأسماء هي أكثر الألفاظ، والاشتراك فيها أقلّ من الحروف والأفعال، يقول السيوطي: "وذهب بعضهُم إلى أنّ الاشتراك أغْلبُ - قال: لأنّ الحروفَ بأسْرِها مشتركة بشهادة النُّحَاة، والأفعال الماضية مشتركةٌ بين الخبَر والدُّعاء؛ والمضارعَ كذلك، وهو أيضاً مشْتَرَكٌ بين الحال والاستقبال، والأسماء كثيرٌ فيها الاشتراك؛ فإذا ضَمَمْناها إلى قسمي الحروف والأفعال كان الاشتراكُ أغلبَ"[5]. غير أنّ معنى الاشتراك، بين الأفعال في هذا الشاهد يبدو مقصورا على ناحيتي الدلالتين البلاغية والزمانية، دون ناحية الدلالة المعجمية. 

    فإذا قلّبت النظر في أمثلة الاشتراك وجدتها اسمية جميعها أو أغلبها، فكأنّ الاشتراك الفعليّ مثّل مسكوتا عنه، ولكن ترى لماذا؟

لا نكاد نقطع بجواب حاسم على هذا السؤال، ولكن قد يكون مردّ ذلك إلى خصوصية الفعل: فالفعل عنصر لغويّ مركّب، وأغلب سياقات الحديث عن الاشتراك ترد في التعريف والتمثيل، ومعلوم أنّ البساطة مطلوبة في هذه المواضع، فلذلك لم يُعتدَّ باتخاذ الفعل مثالا أو بدراسته في نطاق المشترك. ثمّ إنّ الفعل يكوّن جملة كاملة، ما دام الفاعل مستكنا في الفعل، فمن ثمّة يصبح الحديث عن اشتراك في الفعل إنّما هو اشتراك في جملة كاملة (فعل + فاعل) وهذا يخرج عن الحدّ المرسوم تراثيا، وهو النظر في علاقة الاشتراك بين الألفاظ المفردة ومعانيها؛ فالفعل يحتوي بالفعل [لا فقط بالقوة] على علاقة إسنادية، ومن ثمّ فلا غرابة أن يُتخلّى عن إيراده في معرض تعريف المشترك.

ولعلّ من أسباب عدم اعتماد الفعل تمثيلا في دراسة المشترك، مردّه أيضا إلى غياب تصوّر لدراسة المشترك يعوّل عى النظر في هذا المبحث من منطلق أقسام الكلام، فإذا غاب هذا التصوّر، فلا غرابة في إهمال دراسة المشترك الفعليّ.

هذا فضلا عن حصول ضرب من القطع في دراسة المشترك، يتمثل في النظر إلى هذه الظاهرة نظرا يقصرها على الناحية المعجمية الدلالية، ولا يربطها بأبعاد بلاغية وتداولية وتواصلية ومعرفية... تثري الدراسة بمنظورات متميزة[6].

محاور الدراسة: المشترك الفعليّ في العربية

1-   المشترك الفعلي وثنائية مَعْلَم / منتقل

   بخلاف ما ادّعته كاترين كربرات أوريكيوني من أنّ "ظاهرة المشترك، تضطرّنا إلى اعتماد التحليل التجزيئيّ للمعنى"[7]، فإنّ دراسة المشترك لم تشهد ركونا إلى التحليل السيمي الذي اقترحه بواتييه في الخمسينات[8]، بل حصلت تغييرات منهجية كبيرة. من ذلك أننا ندرس المشترك وفق منوال دلاليّ عرفانيّ يقوم على مفهوم الطراز، وتنتظم العلاقة بين هذه العناصر وفق علاقات القرابة بينها وبين الطراز، وهو ما يدعوه علماء الدلالة "السلّم الطرازيّ"(échelle de typicalité) لا وفق اشتراك تلك العناصر في جملة من الخصائص المشتركة فيما بينها.

غير أنّ ما ذكر آنفا، من كون أقرب العناصر إلى الطراز هي أكثرها وضوحا في الانتماء المقوليّ، أمر يقبل النقد، لا بل إنّ مفهوم الطراز ذاته ليس حلاّ إعجازيّا لمشاكل علم الدلالة المعجميّ، على رأي كلود حجاج[9].

وإذا حاولنا النظر من منطلق تصنيف زمرة أكل وفق ثنائية المعلم والمتنقل التي اقترحها لانغكير[10]، ألفينا أنها على النحو التالي:

1-   أكل زيد خبزا.

2-   لا تستعمل لغة أكلوني البراغيث.

3-   أكلتهم الأرض. (ابن منظور، لسان العرب )

4-   رجلي تأكلني.(عامّيّة)

5-   فلان أكلني في مالي.(عامّيّة)

6-   فلان أكلني في عرقي. (عامّيّة)

7- أكلت طريحة. (عامّيّة)

فالمثال 1 استعمل فيه الفعل (أكل) استعمالا نظاميا يوافق المعنى المعتاد في المعجم ويستجيب للدلالة الأولى التي لهذا الفعل. أمّا الاستعمال في 2 فيدلّ على معنى مخصوص وهو استعمال الفعل (أكلوني) في صيغة لهجة معينة، بشكل يجعله عَلَمًا على تلك اللهجة. فهنا يتجاوز الفعل دلالته الأصلية ليصبح معبّرا عن دلالة مطلقة لعلّها قريبة من الميتالغة، حيث لا يدلّ اللفظ على ما هو خارج نظام اللغة، بل هو يدلّ على اللغة ذاتها، منعكسا عليها. أمّا في 3 فالدلالة تتعلق بالموت نظرا إلى طبيعة الآكل (الأرض) فتمت استعارة الأكل للموت والقبر. في حين يدلّ استعمال (أكل) في 4 حصول ضرب من الحكّة بسبب تخدّر الرِّجْل. أمّا (أكل) في 5 فتدل على عدم ردّ المال على صاحبه فكأنّه أكله. وفي 6 يدلّ استعمال (أكل) على استغلال عامل وعدم دفع أجرته. في حين يدلّ استعمال (أكل) في 7 على وقوع الضرب على المتكلّم.

   طبعا أوردنا في الأمثلة السابقة بعض الاستعمالات العامّيّة، نظرا إلى رغبتنا في الإحاطة بأكبر عدد ممكن من الاستعمالات الجارية لهذا الفعل. والحاصل أنّ (أكل) فعل متعدد الدلالات وذو استعمالات متعددة بحسب السياقات. ويمكن التفطن إلى وجود معنى جامع (أصلي) تنبثق عنه سائر المعاني.

أكل: وجود قائم بالأكل

      وجود مادّة مأكولة

      وجود علاقة بين الآكل والمأكول له (قد تكون إيجابية من قبيل:

8- أكل زيد في بيتي

وذلك في سياق قِرى الضيف، وهو مثمّن قيميا، بحسب لمنظومة القيمية العربية، وقد تكون سلبية من قبيل 8 و9 و10).

ويمكن دراسة أمثلة أخرى:

9- وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة : 188]

فقد ورد في تفسير ابن كثير:" قال علي ابن أبي طلحة، وعن ابن عباس: هذا في الرجل يكون عليه مال، وليس عليه فيه بَيِّنة، فيجحد المال ويخاصم إلى الحكام، وهو يعرف أن الحق عليه، وهو يعلم أنه آثم آكل حرامٍ"[11]. فأكل الأموال، حسب ابن كثير، يعني جحدها.أمّا محمد الطاهر بن عاشور فيقول في تفسيره "التحرير والتنوير": "والأكل حقيقته إدخال الطعام إلى المعدة من الفم وهو هنا استعارة للأخذ بقصد الانتفاع دون إرجاع؛ لأن ذلك الأخذ يشبه الأَكل من جميع جهاته ، ولذلك لا يطلق على إحراق مال الغير اسم الأكل ولا يطلق على القرض والوديعة اسم الأكل ، وليس الأكل هنا استعارة تمثيلية؛ إذ لا مناسبة بين هيئة آخذ مال غيره لنفسه بقصد عدم إرجاعه وهيئة الأكل كما لا يخفى"[12]. ويفصل البغويّ في تفسيره ضروب الأكل قائلا:" والأكل بالباطل أنواع، قد يكون بطريق الغصب والنهب وقد يكون بطريق اللهو كالقمار وأجرة المغني ونحوهما، وقد يكون بطريق الرشوة والخيانة "[13].

10- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران : 130]

11- وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً [النساء : 2]

12- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً [النساء : 29]

   نلاحظ أن معنى الأكل في الأمثلة من 9 إلى 12 هو الأكل المجازي في حين أنّ معنى الأكل في 13 و14 هو الأكل بمعناه الحقيقيّ. انظر:

13- وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ [الأنعام : 119]

14- وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [الأنعام : 121]

بل إنّ هاتين الآيتين الأخيرتين من المتشابه، فضلا عن ورودهما في السورة ذاتها متجاورتين، مما يحقق انسجام السياقين المقاميّ والمقاليّ.

   ويمكن النظر في بعض الأمثلة التي توضح بعض ضروب العلاقة الرابطة بين المعلم والمتنقل:

15- خرج زيد من البيت.

16- خرج المريض من الإغماء.

17- خرج من عقله. (عامّيّة)

18- خرج بيده على رأسه. (عامّيّة)

19- خرج وقتُ الصلاة؟

20- خرج على النظام القائم.

فالمتنقل يبني علاقة بالمعلم تختلف باختلاف هذا الأخير، وباختلاف المنظور الذي يُنظر من خلاله إلى حدث الخروج. ففي(15) كان الخروج من معلم – مكان، أمّا في (16) فالخروج من معلم – حالة (حالة صحية: مرض، عرَض، ...)، وفي (17) كان الخروج بمعنى مجازيّ يعبّر عن جنون المتنقل، وفي (18) يعبّر الخروج في هيئة معيّنة هي كناية تدلّ على عدم حصول المتنقل على نصيب أو حقّ أو مكسب. وفي (19) يدلّ الخروج على انتهاء الوقت، وهو ما يعني أنّ من سيُؤدّي تلك الصلاة سيقضيها فائتةً، فقد فاته أن يُصلِّيَها لوقتها. أمّا في (20) فقد تمّ الخروج على هيئة اعتبارية، فهي يعني الثورة والعصيان وشقّ عصا الطاعة.

   والملاحظ أنّ الفاعل في الأمثلة من (15) إلى (18) و(20) بشريّ (مع أنّه قد يكون حيوانا أليفا في (15)) أمّا في(19) فالفاعل زمنٌ، ممّا يدلّ على مجازية العلاقة الإسنادية بين الفعل (الخروج) والفاعل (وقت الصلاة) لأنّ الوقت في سيولة، ولكن يمكن التمثيل على هذا التصوّر بالشكل التالي:

.................ــــــــــ........................

حان وقت الصلاة  / دخل وقـت الصـلاة   / خرج وقت الصلاة

والطريف في المثال (19) أنّه يربط بين فعل (خرج) وهو ذو دلالة مكانية من حيث المعنى القاعديّ الأصليّ، و(وقت) وهو اسم يدلّ معجميّا على الزمان.

   وباستقراء الأمثلة السابقة نتبيّن أنّ الخروج يتمحور حول:

1* خروج من حقل إدراكيّ

2* خروج من حقل عرفانيّ

3* خروج من منطقة مراقبة أو صلاحية

4* تغيّر عن حال عاديّة

ولعلّ مثل هذه الملاحظات تشكّل لبنات لرسم الخريطة العرفانية لمتكلّمي اللغة العربية تساعدهم على تبيّن المعاني المحتملة للأفعال القائمة على الاشتراك من قبيل فعل (خرج).

2- المشترك الفعلي والأوائل الدلالية

   يمكن النظر إلى وجود أفعال أساسية تمثل الحصيلة الدنيا من الأفعال التي ينطلق الاشتراك منها وعنها تتفرع الاستعمالات. فمن هذه الأفعال نذكر: عَلِمَ، فعل، رغب، وصل، قدر، قال، اختبر، فكَّر

وقد استقينا هذه القائمة من الأفعال الأوّلية من محاولات بعض علماء الدلالة الذين حاولوا استخراج قائمة مستقصية من الأوائل الدلالية في اللغة[14]. ويرى بعض الباحثين أنّ الأوائل الدلالية من الكليات المتعالية على اللغات، ومن ثمة فهي أكثر تجريدا من مفاهيم أخرى، كالأركتيب (archétype) الذي اقترحه ديكليه[15].

   إنّ الأوائل الدلالية تتحقق في شكل كلّيّات معجمية[16]، من ذلك:

21- قال زيد قولا سديدا.

22- قال زيد بمقالة المعتزلة في قضية أفعال العباد.

23- قال زيد ولم يفعل.

24- قلت في نفسي: سأذهب في نزهة غدا.

25- قالوا بصوت واحد: لا نوافق على ذلك.

26- قال الله تعالى: "قل هو الله أحد".

ففعل (قال) في الأمثلة (من 21 إلى 26) لا يدلّ دلالة واحدة، بل دلالات متعددة. فقال في (21) بمعنى: تلفّظ، أمّا في (22) فبمعنى اعتقد، وأمّا في (23) فتعني عدم الفعل، وفي (24) تعني كلاما نفسيا [دون إصدار صوت في الغالب]، وفي (25) تدلّ على الكلام بشكل جماعيّ بصوت مسموع. أمّا في (26) فتدلّ قال الأولى على نسبة الكلام إلى الله، أمّا قُلْ، في الآية، فهي جزء من كلام الله.

   طبعا، فعل القول من أكثر الأفعال اشتراكا، في اللغات ومن بينها اللغة العربية، لكثرة وروده وتشعّب وجوهه وأدائه معاني غزيرة [17].

3- المشترك الفعلي والنماذج العرفانية العليا

   تقع الدلالة الثابتة أو النموذج العرفانيّ الأعلى أو المنوال العرفانيّ المؤمثل أو المشهد أو الخطاطة (schema) فوق اللغة[18]؛ فهي تتعالى على الحقيقة والمجاز، إذ يقعان في اللغة[19]. ويمكن لنا أن ننظر في التحليل العرفانيّ باعتباره قائما على الإدراك السابق للتقسيمات البلاغية أو النحوية ذات البعد الميتالغوي، فقوام التحليل العرفانيّ هو تسليط الضوء على المبادئ الدلالية الطبيعية (لا الصناعية : المنطقية – النحوية – البلاغية ...). فالمنوال العرفانيّ المؤمثل لـ"أكل" هو – كما يقول ابن عاشور – " إدخال الطعام إلى المعدة من الفم"[20] غير أنّ الأمثلة المضروبة (من 2 إلى 7)، أعلاه، لا يكفي فيها القول إنّ المعنى الثابت كافٍ لتحليل دلالة (أكل) في الأمثلة المذكورة، إلاّ أن نستعين بهذا المنوال العرفانيّ المؤمثل في رصد علاقات التشابه الأسريّ بين الدلالات المتفرّعة عنه. 

إنّ النحو العرفانيّ يرتكز - كما يرى ديكليه - على تحديد الثوابت العرفانية في اللغة[21]. ففعل (couler) في اللغة الفرنسية يدلّ على معنى طرازيّ مؤمثل رغم تعدد معانيه يتمثل في وجود سائل يتغير مكانه. والأمثلة التي تضرب في هذا السياق هي:

أ- سال الماء، حيث يوجد تدفق للفاعل وهو الماء "l'eau coule" 

ب- سالت المزهرية، "le vase coule"والمقصود هو سيلان الماء الذي تحتوي عليه المزهرية، فالفاعل النحويّ ليس هو الذي حصل منه السيلان.                                    

 ج- سال المركب (غرق) "le bateau coule"فالمقصود هو دخول الماء إلى المركب مما  تسبب في إغراقه.

ويمكن أن نلحق بهذه الأمثلة مثالا عربيا، اعتمده عبد القاهر الجرجانيّ، في بعض تحاليله:

"والخاصّيّ النادر الذي لا تجده إلا في كلام الفحول، ولا يقوى عليه إلا أفراد الرجال، كقوله، من الطويل:

وسالت بأعناق المطي الأباطح

أراد أنها سارت سيراً حثيثاً في غاية السرعة، وكانت سرعة في لين وسلاسة، كأنه كانت سيولاً وقعت في تلك الأباطح فجرت بها. ومثل هذه الاستعارة في الحسن واللطف وغلوّ الطبقة في هذه اللفظة بعينها قول الآخر، من البسيط، :

سالت عليه شعاب الحيّ حين دعا ... أنصاره بوجوه كالدنانير

أراد أنّه مطاع في الحي، وأنهم يسرعون إلى نصرته، وأنه لا يدعوهم لحرب، أو نازل خطب إلاّ أتوه وكثروا عليه، وازدحموا حواليه، حتى تجدهم كالسيول تجيء من هاهنا وهاهنا، وتنصبّ من هذا المسيل وذلك، حتى يغص بها الوادي ويطفح منها"[22].

ولعلّ المعنى القاعديّ المذكور أعلاه لفعل (سال) لا ينطبق على ما قاله الجرجاني لأنّ قوام أمثلته على الاستعارة، ومن شرط الاشتراك أن تدلّ اللفظة على معناها لا على جهة المجاز، والاستعارة من المجاز، إلاّ إذا أخذنا برأي ابن الأثير في هذا السياق، يقول:"فإن الواضع لهذه اللغة العربية التي هي أحسن اللغات نظر إلى ما يحتاج إليه أرباب الفصاحة والبلاغة فيما يصوغونه من نظم ونثر، ورأى أن من مهمات ذلك التجنيس، ولا يقوم به إلا الأسماء المشتركة التي هي كل اسم واحد دل على مسميين فصاعدا، فوضعها من أجل ذلك، وهذا الموضع يتجاذبه جانبان يترجح أحدهما على الآخر وبيانه أن التحسين يقضي بوضع الأسماء المشتركة، ووضعها يذهب بفائدة البيان عند إطلاق اللفظ، وعلى هذا فإن وضعها الواضع ذهب بفائدة البيان، وإن لم يضع ذهب بفائدة التحسين، لكنه إن وضع استدرك ما ذهب من فائدة البيان بالقرينة، وإن لم يضع لم يستدرك ما ذهب من فائدة التحسين، فترجح حينئذ جانبا الوضع فوضع."[23].

 

                                                                                      

 

 

    

 



[1]  استعرنا الصفتين "الاشتراك" في الألفاظ و"الالتباس" في المعاني من ابن عبد ربه "العقد الفريد".

[2]  السيوطي، المزهر

[3]  الغزالي، المستصفى.

[4]  الغزالي، المستصفى.

[5]  السيوطي، المزهر.

[6]  من ذلك دراسة المشترك بين العامّيات العربية: فكلمة (عيِش) تعني في ليبيا العصيدة وتعني في مصر الخبز وتعني في البحرين الأرز، ولعلّ مردّ الاشتراك في هذه اللفظة أنها رغم اختلاف ماصدقاتها، فإنها ذات دلالة طرازية، إذ تُطلق كلمة (عيش)، في هذه العاميات العربية على غالب قوت أهل البلد، أو قل على الطعام الشديد الانتشار فيه.

[7] Catherine Kerbrat-Orecchioni, sémantique, article in Encyclopaedia Universalis.

[8] Ibid.

[9] C.K.Orecchioni, sémantique, article in Encyclopaedia Universalis.

 

[10] Langacker,R.,W.,1987,Foundations of cognitive grammar, Vol.I. Theoretical Prerequisites, Stanford, Stanford University Press.

 

[11]  أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي [ 700 -774 هـ ]، تفسير القرآن العظيم، تحقيق  سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية 1420هـ - 1999 م، ج1، ص521.

[12]  محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير.

[13]  أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي [ ت 516 هـ ]، معالم التنزيل، تحقيق محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش، دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة الرابعة، 1417 هـ - 1997 م، ج1، ص210.

 

 

 

 

[14]  ولا نظنّ أنّ اللغة العربية تشذّ عن الاحتواء على عناصر هذه القائمة من الأوائل الدلالية.

[15]  انظر ملاحظة عبد الله صولة، المعنى القاعدي في المشترك: مبادئ تحديده وطرائق انتشاره، دراسة في نظرية الطراز

[16] Anna Wierzbicka, La quête des primitifs sémantiques : 1965-1992, Langue française, n°98, mai 1993, p-p.9-23.

[17]  انظر محمد الشاوش، أصول تحليل الخطاب، في النظرية النحوية العربية، تأسيس "نحو النصّ"، جامعة منوبة – كلية الآداب منوبة / المؤسسة العربية للتوزيع، تونس، 2001، ج2، ص- ص615-650.

[18]  فيارزبيكاه، الأوائل الدلالية، مرجع مذكور أعلاه.

[19]  نفسه.

[20]  محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير.

[21] J.-P.Desclés, réflexions sur les grammaires cognitifs, modèles linguistiques, 1994.

[22]  عبد القاهر الجرجاني،  دلائل الإعجاز، تحقيق د. محمد التنجي، بيروت، دارالكتاب العربي، 1995، ص71.

 

[23]  ابن الأثير، المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر.

Here I might add an entry whenever I make an update to my web site. Where appropriate, I'll include a link to the change. For example:

11/1/01 - Added new photos to Vacation Album page.

Please get in touch with any comments or reactions to my site.

موقع صابر الحباشة